من التاريخ:

انهالت النيران على قوات سالمين من كل صوب بيافع .. فكيف نجا من الاغتيال بأعجوبة! ومن هو خلف هذه الحادثة

Thursday 22 October 2020 8:46 am
انهالت النيران على قوات سالمين من كل صوب بيافع .. فكيف نجا من الاغتيال بأعجوبة! ومن هو خلف هذه الحادثة
متابعات:

من مذكرات ( ذاكرة وطن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية 1967-1990) للرئيس علي ناصر محمد : الحلقة (الحادية والثلاثون)

متابعة وترتيب / د / الخضر عبدالله :

تنفرد ( عدن الغد ) بصحيفتها الورقية وموقعها اللالكتروني بنشر أبرز وأهم المذكرات االتي سبق لــ" عدن الغد " أن قامت بنشر ها ( ذاكرة وطن - والطريق إلى عدن - القطار .. رحلة إلى الغرب- وعدن التاريخ والحضارة  ) للرئيس علي ناصر محمد .

وفي هذه المرة ستقوم " عدن الغد " بنشر مذكرات جديدة من حياته ( جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية 1967-1990 ) .

وتعد هذه المذكرات الجزء الخامس  من محطات وتاريخ الرئيس الأسبق علي ناصر محمد رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية .

حيث يذكر لنا في مذكراته عن وقائع وأحداث وتغيرات  المت  بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية من عام (67- 90م )  حيث يقول الرئيس ناصر :" لا شك في أنّ قارئ هذه المذكرات سيجد نفسه مشدوداً إلى الماضي ومستغرقاً فيه، وربما تولّد لديه انطباع قوي بأنّ تجربة اليمن الديمقراطية لم تكن سوى صراعات عنيفة من أجل السلطة أو في سبيلها، وأنّ صفحات هذه التجربة لا تحمل ما يمكن الاعتزاز به، فضلاً عن أنْ ليس في تقديمها ما يمكن الاستفادة منه والتعويل عليه أو التفاؤل به... بقية التفاصيل من المذكرات  نسردها في أثناء السطور  وإليكم  ما جاء فيه ..

 نجاة "سالمين" .. من المدبر للعملية ؟

في الحلقة السابقة عرضنا   ذروة المعارك الدائرة في أبين، وكيف وجّه الرئيس قحطان  الشعبي بياناً مهماً إلى مجاميع الحرس الشعبي والقبائل في محافظة أبين..وفي هذا العدد يحدثنا السيد الرئيس علي ناصر محمد .. كيف كانت نجاة " سالمين باعجوبة  وكيف  تسلم  السيد الرئيس ناصر  رسالة من سالم ربيع علي يؤكد فيها ما كان يصارحه  في وقت سابق، من ضرورة الاهتمام بالناس في الداخل، وإيصال الحقائق إليهم .. ونترك بقية تفاصيل هذه الحلقة يروي فصولها السيد الرئيس ناصر حيث يقول :" عندما وصلت قوة "سالمين" المندحرة المنسحبة إلى يافع بعد يوم من القتال المرير، أبرق إليه علي عنتر يدعوه إلى الضالع، فتحرك بقوته إلى هناك، وفي الطريق وقعوا في كمين بالقرب من وادي بنا*، فانهالت عليهم النيران الكثيفة من كل صوب، وكادت القوة العسكرية الكامنة أن تقضي على المجموعة، لولا صلابة مقاتليها ومجاهدتهم. نجا "سالمين" بأعجوبة، فيما سقط حسين عبد الله "ناجي" شهيداً مع الشهداء سالم سهيم، بن نعم، بن جمال وعمر الدولة.

معركة وادي بنا من هي الايادي الخفية في صناعتها ؟

ويضف في حديثه :" منذ الساعات الأولى لمعركة وادي بنا، كان التفسير السائد لعملية الرصد التي تعرضت لها قوة سالم ربيع علي، يتمثل بوقوع برقية علي عنتر و"شفرتها" بيد قوات الحكومة. غير أنه حين وصل "سالمين" ومقاتلوه إلى الضالع، لم يجدوا علي عنتر هناك، إذ إنه توجه إلى عدن تحت ضمانة "المقدم أحمد صالح بن لحمر". وبدأت الشكوك تأخذ مجرى آخر، لمرحلة من الزمن، وتوجه سالم ربيع علي إلى قعطبة مع من بقي معه، وراح الجميع ينسقون فيما بينهم، وينظمون الاتصالات بعدن والمناطق الأخرى.

في الأول من حزيران/ يونيو 1968م، تسلّمتُ رسالة من سالم ربيع علي يؤكد فيها ما كنتُ أصارحه به في وقت سابق، من ضرورة الاهتمام بالناس في الداخل، وإيصال الحقائق إليهم. وفي هذا المنحى، تحرك كثير من القيادات والأطر والعناصر في تنظيم الجبهة القومية، حتى نجحت في تكوين قاعدة واسعة للضغط من طريق المذكرات المطالبة بعودة الرفاق الذين لجأوا إلى الشمال. وامتدت تلك النشاطات إلى اجتماعات التنظيم في كافة المناطق، وفي غضون أسابيع تحولت تلك الحركة من الأسلوب العنفي العقيم الذي لا جدوى له ولا مبرر، إلى اللجوء إلى الحوار مع قيادة الرئيس قحطان الشعبي.

مغادرة لحج وتسليم كل ما بحوزتي ما السبب ؟

ويستدرك بحديثه قائلاً :" غادرتُ محافظة لحج عام 1967م، وسلمتُ كل ما كان بحوزتي من سيارات وسلاح عبر مذكرة تسليم للمسؤولين في المحافظة، وعدتُ إلى حياتي الطبيعية. فقد كانت الحياة بسيطة بلا تعقيدات ولا بروتوكولات ولا هموم، كل شيء بسيط وجميل قبل الصعود إلى السُّلم الأول للسلطة عام 1967م. وأتذكر أنه ما إن صدر القرار الجمهوري بتسميتي محافظاً، حتى بدأت الاتصالات الهاتفية تنهال عليّ، وطوابير السيارات والزيارات. البعض للتهنئة الصادقة المخلصة، والبعض للمجاملة والإشادة بمواقفي ودوري في الثورة، ولكنني لم أجد من يُسديني النصح ويساعدني على كيفية التصرف، وكيف أبدأ عملي، وخاصة من الذين يملكون الخبرة والتجربة. لهذا، فقد بدأت بالاعتماد على نفسي وعلى تجربتي المتواضعة في الحياة، وكانوا جميعاً في مستواي في ما يتعلق بتجربة السلطة، لأن الأغلبية قادمون من الجبال والريف، لا همّ لهم إلا الهتافات في عدن وشوارعها، وهم يرددون: "كل الشعب قومية"، وبعض أطر الدولة المجربة رحلت مع قوات الاحتلال، والبعض انسحب ضمن جبهة التحرير، ومعها إلى صنعاء والقاهرة، والقليل انحاز إلى الجبهة القومية بقناعة وإيمان، وعناصر أخرى ركبوا الموجة، وآخرون وقفوا على الحياد وهم حائرون في المستقبل المجهول. الأحزاب اختفت، والصحف توقفت، والجبهة القومية، الحزب الوحيد في الساحة، انقسمت بين يمين ويسار، وتقدمي ورجعي وبرجوازي وثوري. مصطلحات لا يفهمها حتى الذين كانوا يرددونها، فقد جاءت جاهزة معلبة من لبنان، بعد أن نقلها إلينا بعض متخرجي الجامعة الأميركية.

وثائق لتدمير جهاز الدولة مع من كانت

ويتابع حديثه بالقول :" ونايف حواتمة ينقل معه وثائق جاهزة لتدمير جهاز الدولة القديم وبناء الميليشيات الشعبية والمجالس الشعبية، وتدمير الإمبريالية وبناء الاشتراكية في حضرموت. الآخرون يرددون كلمات ومصطلحات لا يفهمونها عن الثورة الروسية والصينية، بل يقلدون الملابس على الطريقة الصينية. والرئيس قحطان الشعبي في حيرة وهو يشاهد المنظّرين والمزايدين، وتحت تأثير هذه الضغوط أصدر القرار الجمهوري رقم 10 لعام 1968م ، إضافة إلى قرارات أخرى قضت بتسريح مدنيين وعسكريين وخسرت الدولة الفتية خيرة الكفاءات التي كان من الممكن أن يُستفاد منها في بناء الدولة الجديدة، بسبب المزايدات والتطرف.

وفيصل عبد اللطيف الشعبي، العقل المفكر للثورة والدولة، عاش ممزَّقاً حائراً، وسط موجات التطرف والمزايدة والمطالبة بأن يتحمل الآخرون السلطة لإحراقهم بمشاكلها، حتى يأتوا فيما بعد بديلاً أفضل، كما كان ينظر إلى ذلك حواتمة.

البريطانيون يرحلون ويتركون خلفهم عناصر غير مرئيّين يرفعون الشعارات، تارةً باسم اليسار، وتارةً باسم اليمين. كبار ضباط الجيش والأمن ينقسمون بين مؤيد ومعارض للسلطة الجديدة، وأصوات ترتفع وتطالب بتسريح بعض الضباط وتصفية البعض الآخر، وتحويل جماجمهم إلى منافض للسجائر، ومن عظامهم سماداً، كما ورد في نشرة "العنف الثوري" ، وما يُسمّى "اليسار" في الجبهة القومية يعلن التمرد على نظام الرئيس قحطان الشعبي.

اعلان  التمرد على نظام الرئيس  لهذا السبب !

ويسترسل بحديثه :" وما يُسمّى "عناصر اليمين" يعلن التمرد على نظام الرئيس في تموز/ يوليو 68م. أي إنّ اليمين واليسار يلتقيان في هذا الموقف، وبعضهم يتأهب لتسلّم السلطة، ولكنه كان يبحث عن رمز وطني مقبول لتسويقه عربياً ودولياً. والسؤال هو: مَن كان يحرّك تلك الأحداث؟

سلاطين الجنوب وأمراؤه ومشايخه، يهرب بعضهم إلى الخارج، ويقبع آخرون في السجن، ومَن بقي اختفى في منطقته في انتظار الجديد، فيما بعض من آبائهم يخفون انتماءهم إلى مناطقهم وقبائلهم خوفاً من تصنيفهم ضمن القوى الطبقية المعادية، فيما بعضهم يركب موجة اليسار والأممية.

أئمة المساجد يحذّرون من خطر الشيوعية، ويحرّضون على مقاومتها.

المقاولون ورجال الأعمال يهربون بأموالهم وخبراتهم إلى شمال اليمن وبعض بلدان الخليج، والتجار الصغار يراقبون ما يجري في البلاد، ويختفي من محالّهم التجارية كثير من السلع المطلوبة للمواطنين، وتختفي معها مظاهر الإعلانات والتسويق والتجارة من واجهة المحالّ، فلا أحد يفكر في الاقتصاد والاستثمار والبناء والتنمية.

 نشوة النصر والاستقلال تتحطم على جبال عدن السوداء، وعلى صخرة الأفكار المستوردة، ويحثّ التنظير الصراعات التي دمرت كل ما هو جميل وفتحت المقابر حتى نعق غراب "بيكاجي قهوجي"  على قبورنا وعلى أحلامنا الجميلة، والمواطنون يصابون بإحباط شديد. الفوضى بلغت ذروتها نتيجة لذلك في النماذج والتعقيدات التي مررنا بها عشية انتقال السلطة للجبهة القومية. ( للحديث بقية )