صراع القمة الثلاثي لأفلام الثمانينات

Friday 29 July 2022 8:02 am
صراع القمة الثلاثي لأفلام الثمانينات
وكالات - يمني سبورت:
----------
الثمانينيات من أهم فترات السينما، التي شهدت أزهى عصورها، وتطورا كبيرا في الشكل والمضمون، حتى أصبحت المكتبة السينمائية زاخرة بمجموعة من الأفلام المهم في تاريخ الصناعة، وكأي شيء جديد تمت محاربته من قبل المنتجين الذين لم يتعودوا على هذا النوع من الفن والذين كانوا يرفضون هذه السينما، ولا يرغبون في إنتاجها من باب إذا كانت الأفلام السابقة ناجحة وتحقق أرباحا فلماذا يغامرون بالتغيير؟، أى ازدهار تكون كواليسه مليئة بالحروب من المنتجين على الفنانين وعلى المخرجين تحديدا لفرض أفلامهم ورؤيتهم من خلال التحكم في الإنتاج.
بعض مسئولى الإنتاج خلال تلك الفترة أشاعوا أن مخرجي الثمانينيات السبب وراء تراجع مستوى السينما وخسارة الأفلام بالرغم من أن ما تم إنتاجه خلال تلك الفترة لايمثل أكثر من 5% من إجمالي الأفلام المصرية وبالتالي فإن تلك الحرب كانت كاذبة.
وعلى الرغم من كل ذلك فإن هذه الفترة أنجبت مجموعة جديدة من صناع السينما بأفكار مختلفة مرتبطة بمشكلات المجتمع مباشرة واستطاعوا التعبير عن المجتمع المصري بشكله الحقيقي والخروج عن المألوف بعد أن كانت الفترة السابقة تعتمد السينما فيها على نقل صورة حالمة وجميلة للواقع عدا قلة من المخرجين الذين عرفوا بالواقعية مثل صلاح أبو سيف أو مختلفة وشديدة الفنية مثل يوسف شاهين فكانت غالبية الأفلام تعتمد على الرومانسية الشديدة أو المبالغة في طرح المواضيع... لكن جاءت فترة الثمانينيات وشهدت إنتاجًا سينمائيًا كبيرًا كل عام وصل إلى 95 فيلمًا في أحد الأعوام، وكان هناك توزيع ضخم في الدول العربية، وبعد انتهاء تلك الفترة ومع حرب الخليج تقلص الإنتاج بشكل كبير بسبب التوزيع.
السينما الواقعية
ومن أهم أسماء المخرجين الذين عرفوا بتلك السينما الجديدة محمد خان وعاطف الطيب وداود عبدالسيد وخيري بشارة ويسري نصر الله ورأفت الميهي وآخرين.. هؤلاء المخرجون قدموا أفلاما مختلفة تناقش الواقع وتعرض حياة الناس ومشكلاتهم وأحلامهم واختلافاتهم وطبقاتهم بشكل فني واقعي أحيانا وفانتازي أحيانا أخرى.. تراجيدي أو كوميدي وبالرغم من اختلاف الطريقة التي قدموا بها أعمالهم لكن وحدتهم الرؤية والمنطلق ومن هنا تم جمعهم تحت اسم واحد هو سينما الثمانينات.
من الصراعات الفنية اللي اشتعلت فى الثمانينات وإمتدت للتسعينيات كان صراع نبيلة عبيد ونادية الجندي والغريب أنه لم يكن هناك وجه للمقارنة فنيا بين نبيلة صاحبة الموهبة الأعلى –حسب رأى الكثير من النقاد- والتى أعمالها كانت بمثابة “تحف فنية” من روايات إحسان عبدالقدوس وسيناريوهات وحيد حامد وبين نادية التي كان الكثير من أعمالها تجارية مستهلكة بنفس التيمة والمضمون ولكن على مستوى الإيرادات نادية الجندي كانت تكتسح شباك التذاكر ليس فقط أمام نبيلة ولكن مع كل الفنانين، وكانت وقتها المنافسة الوحيدة لعادل امام على عرش الإيرادات.
 
محمود حميدة.. لمن؟
والأغرب أن هذه الفترة هى الفترة الذهبية للسينما المصرية والتى كان فيها عادل إمام ومحمود عبدالعزيز وأحمد زكي ونور الشريف يتنافسون مع بعضهم منافسة عادية وطبيعية وفى المقابل نادية ونبيلة حولتا الأمر لحرب مع بعضهما وكل فنانة منهما لها المعسكر الخاص من ممثلين ومؤلفين وأحيانا كان الصراع هزليا حتى أنهما فى إحدى المرات “اتخانقوا” على محمود حميدة “مين فيهما تحتكره في أعمالها؟، ولكنه فى النهاية اختار نادية الجندي.. البعض كان يرى أن المنافسة بينهما إمتدت لتفاصيل أخرى غير الإيرادات وهى ميزانية الملابس المخصصة للشخصيات اللاتي يجسداها فى الأفلام.
الصراع أيضا كان مستوى الألقاب.. حيث أصبح لقب “نجمة مصر الاولى” من نصيب نبيلة، أما نادية فكانت “نجمة الجماهير” وقيل أن المنتجين هم من أطلقوا عليهم هذه الألقاب وهذا قد يكون أقرب للمنطق بالنسبة لنبيلة لأنها فعلا كانت نجمة وكل المنتجين يسعون ورائها.. لكن بالنسبة لنادية فكان الأمر مثيرا للدهشة لأنه لم يكن هناك منتج معها سوى زوجها محمد مختار.
اللقب
طبعا الصراع بدأ ينتهي تدريجيا فى أواخر التسعينيات مع دخول السينما فى المرحلة الشبابية وقتها، ولكن الثنائي لا زال يحتفظ بالألقاب حتى الآن، فنبيلة من فترة قدمت مسلسل إذاعي وقدمت نفسها بأنها “نجمة مصر الأولى” ونادية كانت فى صراع مع إلهام شاهين بسبب مسلسل “نجمة الجماهير” الذي قدمته إلهام حتى أن نادية رفعت دعوى فى النقابة لتغيير اسم المسلسل لأن من وجهة نظرها هذا اللقب خاص بها لكن تم رفض الدعوى لكن حتى الآن نادية تطلب أن يتم تقديمها بأنها “نجمة الجماهير”.
نبيلة قدمت سينما الأنثى المغرية الجذابة التي كانت هي ونادية الجندي تقفان على قمة عرشها منذ الثمانينيات، وحتى منتصف التسعينيات، وتغير مفهوم السينما منذ ذلك التاريخ وبرز على الساحة نجوم آخرين بمفهوم مغاير، وأصبحت النجمات على الساحة مثل منى زكي وحنان ترك وسمية الخشاب وغادة عادل وحلا شيحة وغيرهن يرفضن الإغراء.
ورغم كل ذلك، كثيرا ما كانت تؤكد نادية أنه لا صراع مع نبيلة وقالت عنها: “مفيش منافسة بيني وبين نبيلة عبيد.. فأنا أحبها لأنها فنانة قديرة ولها تاريخ سينمائي جميل لكني لا أعلم لماذا يضعونني في منافسة معها رغم أنه لا يوجد أي وجه مقارنة بيننا وهذا ليس تقليلاً من قدرها.. ولكني مختلفة عنها لي طريقي الخاص وبالتالي لا يوجد لي منافسون.. ولكن المنافسة كانت بيني وبين عادل إمام على الإيرادات ومع ذلك لم يخرج أي منا يوماً وقال إنه الأول في الإيرادات على الرغم من أن أفلامي أحياناً لم تكن تتساوى مع أفلامه في شباك التذاكر أو تتخطاها”.
للسندريلا نصيب
معارك فنية عديدة دخلتها الفنانة نادية الجندي على مدار مشوارها الفني للحفاظ على تواجدها في صدارة المشهد السينمائي وقائمة الإيرادات وتعددت أسماء النجمات اللاتي جئن في مواجهات مع “نجمة الجماهير” ولعل أبرزهن كانت سعاد حسني وتحديدا في نوفمبر 1981 أثناء عرض فيلمها “موعد على العشاء” مع المخرج محمد خان الذي تم طرحه في دور العرض السينمائي بعد أيام من طرح فيلم نادية الجندي “أنا المجنون” للمخرج نيازي مصطفى.. وعندما وصل فيلم السندريلا لصدارة الإيرادات اتهمتها نادية بشراء تذاكر الفيلم وتوزيعها على الجمهور بالمجان.. وقامت بتقديم شكوى رسمية في صناع فيلم “موعد على العشاء” لرئيس مجلس إدارة شركة مصر للتوزيع مطالبة بالتحقيق في الأمر.
تفاصيل الخلاف كشفها خبر صحفى تم نشره في ذلك الوقت بعنوان “مبارزة بين سعاد حسني ونادية الجندي” جاء فيه «شهدت الساحة السينمائية مبارزة حادة بين النجمتين سعاد حسني ونادية الجندي وذلك خلال تزاحم فيلمين تقوم كلا منهما ببطولة أحدهما على احتلال المرتبة الأولى في إيرادات شباك التذاكر فكان فيلم نادية الجندي حقق في أيام عرضه الأولى تفوقا في الإيرادات على فيلم سعاد حسني ثم عاد فيلم سعاد وسبقه في الأيام التالية مما جعل نادية تعلن على رؤوس الأشهاد أن سعاد حسني تشتري التذاكر وتوزعها مجانا لرفع إيرادات فيلمها وكان هذا الإعلان في شكوى رسمية إلى رئيس مجلس إدارة شركة مصر للتوزيع ودور العرض ومازال التحقيق جاريا”.
الحفاظ على الصدارة
عادل إمام.. هو الحالة الأكثر تفرداً وجدلاً في السينما المصرية وفي الحياة الفنية لهوليوود الشرق عامة، فلم يتوقع أحد منذ ظهوره الأول على شاشة السينما قبل أكثر من 57 عاماً أن هذا الممثل الشاب سيكون أطول نجوم السينما المصرية عمراً من حيث الجماهيرية والشعبية معاصراً العديد من الأجيال بداية من سطوة فريد شوقي في ستينيات القرن الماضي وحتى ملايين “اللمبى” محمد سعد فى بداية القرن الجديد.
واستحق عادل إمام لقب “الزعيم” بجدارة وهو الذي جاء بعد رحلة عمل شاقة بدأت عام 1962 وأصبح من الوجوه المألوفة في السينما لدرجة أنه ظهر فى سبعة أفلام دفعة واحدة عام 1969 وإن كان ظهوره لم يتعد مرحلة “السنيد” وقتها ولكن كانت بوادر التغيير تلوح في الأفق بالنسبة لجيل كامل خلال السبعينيات.. واقتنص عادل بشق الأنفس أول بطولة سينمائية حقيقية له عام 1973 مع فيلم “البحث عن فضيحة” من إخراج نيازي مصطفى ليستمر بعدها “الزعيم” في أفلام البطولات الجماعية الخفيفة مع رفيقي العمر سعيد صالح وسمير غانم.. حتى أصبح اسمه مع نهاية السبعينيات مصدراً للأرباح في شباك التذاكر خاصة مع أفلام مثل “المحفظة معايا” عام 1978، و”رجب فوق صفيح ساخن” في العام التالي والذي كان أنجح أفلام العام على المستوى التجاري.
انتبه عادل إمام بذكاء إلى أوراقه الرابحة في سباق شباك التذاكر ليقود تغيراً شاملاً خلال فترة الثمانينيات في صورة النجم السينمائي والتي أتاحت لأسماء مثل أحمد زكي ويحيى الفخراني ومحمود عبد العزيز إلى جانب نور الشريف تصدر المشهد خلال تلك الفترة.
ويمكن ملاحظة التحول التام في نوعية أدوار عادل خلال الثمانينيات فقدم “المشبوه” و”الغول” و”المتسول” و”الحريف” و”الأفوكاتو”.. وكل هذه الشخصيات وعلى الرغم من تناقضها الشديد إلا انها كانت تدعم صورة البطل الجديد لعادل إمام ببنطلونه الجينز وخفة ظلة وتصديه لقسوة الحياة وأحيانا الفساد.
واصل عادل إمام نجاحه التجاري خلال فترة الثمانينيات بأفلام أكثر إبهاراً وضخامة على المستوى الإنتاجي مثل “النمر والانثى” و”المولد” ولكن صدام عادل إمام مع النقاد ومع الأعمال ذات الطابع السياسي المباشر لم يصل إلى بر الأمان إلا مع بداية التسعينيات.. وتحديداً بعد تعاونه مع الكاتب وحيد حامد والمخرج الشاب وقتها شريف عرفة حيث كانت البداية مع “اللعب مع الكبار” 1991 وتلاها “الإرهاب والكباب” في العام التالي ثم “المنسي” و”طيور الظلام” و”النوم في العسل” إلى جانب “الإرهابى” مع المخرج نادر جلال والكاتب لينين الرملي وكلها أعمال نالت رضا النقاد والجمهور.
وشاركت أغلب نجمات مصر بطولات أفلام “الزعيم” وتأتي على رأسهم يسرا وسعاد حسني وميرفت أمين وإلهام شاهين ومديحة كامل وغيرهن.
ورغم نجاحات عادل إمام إلا أنه كان معرضاً في مرات عديدة لأن يكون “بضاعة مستهلكة” بالنسبة للعديد من المنتجين.. خاصة في وجود نجوم عاصروه على قدر من الجاذبية تتجاوز قدرات عادل الشكلية بكثير ولكن حسه الاجتماعي والشعبي قاداه للقمة بشكل لم يسبق له مثيل إلى حد أنه أصبح كلمة السر في شباك التذاكر على مدار عشرات السنوات.
الأكيد أن صراع الإيرادات ليس له قيمة لأن ذاكرة السينما والمشاهد تحتفظ فقط بالأعمال القيمة والجودة الفنية.