عبد العزيز المقالح أمةٌ في واحد

الجمعة 05 يوليو 2019 6:13 م
المقالح واحد من الناس كتعبير رفيق دربه الشعري عبده عثمان فقد أصاخا السمع لمارب وهو يتكلم. المقالح المحتفى به واحد من الناس متنوع ومتعدد؛ فهو أناس كثيرون؛ أمة في واحد. (إن إبراهيم كان أمة). كثير في الشعر، كثير في النقد، كثير في الإبداع المتنوع والكاثر، كثير في غرس شتل الإبداع والمعرفة في عقول وقلوب وضمائر المئات والآلاف من طلاب ورواد المعرفة، حيث الخلق على غير مثال- الإبداع-.
قليون، وقليل ما هم، المستطيعون تحويل إبداعهم وعرفانهم إلى سلوك وممارسة وحياة. فالمقالح الإنسان من لحم ودم هو قصائده، هو ما يدرس طلابه، ويلهم زملاءه في العمل والمقيل.
جزء أصيل من ضمير أمته وشعبه. حمل همها القومي منذ تفتق وعيه، واستنارت بصيرته؛ فهو أب روحي لتنظيم الضباط الأحرار مفجري ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 62. وفي البدء كان الكلمة. هنا الجمهورية العربية اليمنية. الكلمة التي أيقظت الموات اليمني، ورصت صفوف اليمنيين صوب الحياة والعصر.
سنظل نحفر في الجدار
إما فتحنا ثغرة للنور
أو متنا على صدر الجدار
أكثر من ثلثي قرن من الزمان والشاعر ينقش في الضمائر والوجدان اليمني والعربي والإنساني قيم الحرية والإبداع والجمال، والباحث يحفر في الواقع، وينقب في الحياة العلمية والثقافية عن دلالات ومعاني العدل والحرية والديمقراطية واتجاه رياح المستقبل، ويجسد بسلوكه المتواضع المتسامح والمحب كإبداع ثانٍ وعطاء متجدد. يستغرب الشاعر المقالح أنه يجد المدى العميق في قراءة إبداعه الشعري في طول الأرض العربية وعرضها غير مدرك بتواضعه الجم أنه السر في عطائه وإبداعه وصدق تجربته الإنسانية والحداثية؛ فالشعر عنده أداه هدم الكون، وإعادة البناء كنهج أبيه الروحي محمد محمود الزبيري مقوض مملكة الطغاة، وهو ما يحصنه من الإحباط واليأس. فشعره يتسع باتساع العمر واتساع أفق الرؤية الكونية. كلمته أقوى جيش، وأصبى امتلاء بالشعر النابض الطائر، لكأن حروفه نجوم حية،  وفلقات أقمار تامة، كتصوير الرائي عبد الله البردوني.
قرأ عبد المعطي حجازي في شعره  متبتلاً في حب اليمن والثورة العربية، وقرأ الناقد وهبي رومية اليمن في شعره أسطورة قصية وغامضة.
كمال أبو ديب يقرأ تماهي المقالح مع القصيدة، واندغامه بها حد التمازج. ورأي الناقد أحمد الدوسري في (أبجدية الروح) انتفاضة قدسية ونورانية على عالم الابتذال. فقد انحرف بالشعر انحرافاً نحو النبع الإلهي، ورأى في قصائد السنوات العشر الأخيرة الناقد حاتم الصكر معراجاً روحياً من نوع آخر لا يرفض الأرض والمكان والإنسان؛ لوجود الشاعر بجسده وحياته وشعره وسط مفرداتها، بل من أجل إعادة تشكيلها وخلقها.
وقرأ أدونيس في كتاب (صنعاء) تماهٍ عميق أخاذ بين الأسطوري واليومي الجمعي والفردي، بينما رأى فيه صلاح فضل  وعياً كونياً عميقاً، ورأى في لغة كتاب (صنعاء) الدكتور محمد عبد المطلب استحضار الأشياء بدلاً من استحضار صور الأشياء كوظيفة اللغة؛ وهنا (الإعجاز)- عبد الباري.
ورأى عبده وازن في الديوان إياه مواصفات الحب العميق الذي ينصهر في جحيم اللغة والمكان والجسد، ورأى أنه لم يكتب شاعر عربي عن مدينة عربية برهبة وشغف مثلما كتب الشاعر المقالح،  ويشبه الشاعر محمد علي شمس الدين كتاب (الأصدقاء) بالشجرة الشعرية الخضراء، أما الدكتورة يمنى العيد فترى أن نص المقالح الشعري إنطاق للصامت، وخلق تعبيره ولغته.
يؤكد عبد الرحمن فخري أن المقالح هز بيديه أركان التاريخ؛ حتى يتكلم مارب.
الناقد عبد الله حسين البار يقرأ في أسلوبية النص بين (هوامش يمانية على تغريبة ابن زريق)، ويرى أنه يتماهى مع ثورة الذات على واقعها وتفجيرها وتطلبها  واقعاً آخر سواه رغبةً في الخلاص.
في قراءة مائزة للناقد مصطفى ناصف لديوان (أبجدية الروح) فالسياق يعتمد كثيراً على الإيحاء بأوجه العلاقة بين الفرد والمجتمع. فالأشياء مظاهر للروح، ومن خلال الأشياء تُبحث مسألة اغتراب الإنسان عن نفسه وعن الآخر.
عبد الودود سيف يرى أن شعر المقالح حنين متواصل للوطن، وهو حنين للوطن الثاني الآتي له من جوف الحلم- الحلم المنتظر - .
الناقد شكري الماضي في قراءته من (خطاب نوح بعد الطوفان) يلحظ التلاحم بين الذات والموضوع. يتوسل الرمز التراثي، وإيقاع الرثاء الشعبي، وتقنيات فن من فنون الرواية الحديثة، ومن الحكاية الشعبية في محاولة للفكاك من أسر التبعية الثقافية.
يدرس محمد رحومة توظيف العيون في الشعر اليمني المعاصر. يخلص في نهايتها إلى أن الشاعر المقالح يترك ذاته، ويذوب مع الآخرين باحثاً لهم عن الخلاص؛ طالبا أن نثور ونغير الواقع.
فهد العكام في قراءته لديوان (الخروج من دوائر الساعة السليمانية) يلمح أن الشاعر يهتف بالجماهير الساكتة المتبلدة الإحساس الصامتة؛ كي تحرر من هذه العاهات؛ لأن صمت الشفاه التي لا تكافح بالقول، ولا تغامر بالنقد سيوف تستنزف دمه.
يدرس زهير الجيزاني قصيدة (فوق ضريح عبد الناصر)، فيدرس الناصرية من خلال ثلاثة قصائد وثلاثة شعراء: أدونيس، حجازي، المقالح. فأدونيس يرى الناصرية في وجه يافا، وحجازي يراها في مصر التي سقطت في المجاعة، أما المقالح فيراها في الكلمة المعجزة التي مرت في سماء اليمن، وقالت لهم: قوموا فأنتم بشر
لتحية له.. التحية لكم في منارات والقائمين عليها: الدكتور حمود العودي، والمهندس عبد الرحمن العلفي.
الاحتفاء به تحية عظيمة لمبدع رائع سفح سني عمره في الإبداع والعطاء والبذل. حمل اليمن في خلايا جسده، وفي نبض قلبه، وتلافيف ضميره ووعيه. مدني  كان أخاً ورفيقاً وأباً روحياً لشباب تنظيم الضباط الأحرار.  دفع ثمن انتكاسة الثورة. فالحرب عليها كانت حرباً عليه. ناله ما نال  كل الأحرار العرب من تبعات ومآسي كارثة كامب ديفيد. عاد من مصر التي التجأ إليها منتصف الستينات. وجد يمن سبتمبر التي أسهم في إبزاغ فجرها وقد ارتدت إلى عصور الظلام محكومةً بمحاكم التفتيش.
تعرض للتكفير والإساءات البالغة. فهذا الإنسان المعطاء العظيم انحاز للمعرفة والإبداع منذ الطفولة وطوال ثلثي قرن. لا تجده إلا طالباً أو دارساً أو باحثاً أو مدرساً؛ فالمدرسة  والجامعة ومركز البحث هي مأواه وملاذه الآمن؛ فسلام عليه يوم ولد ويوم يحيا ويوم يكرم ويحيا.
الدكتور المقالح  من أبرز رموز السلام ودعاتها. منذ بداية الأزمة، وإبان الصراع عقب 11 فبراير رأس المقالح لجنة للتقريب بين الأحزاب والأطراف المختلفة، وتوصلت اللجنة إلى اتفاق وقعت عليه كل الأطراف للتصالح وعدم الانزلاق للحرب، وواصل مشوار الدعوة للسلام موقعاً على بيان نداء السلام؛ فهو داعية سلام. قصيدته الأخيرة (لم أكن نائماً عندما قامت الحرب.. كنت مستيقظاً) أقوى وأروع بيان لإدانة الحرب ونبذ العنف وانتهاج سبيل السلام.