طفل الخور الباكي.. لقصة واقعية حدثت معي

السبت 01 فبراير 2020 6:05 ص
وبينما أنا أمشي بين إحدى جنبات " الخور " عائداً إلى المنزل بعد أن جلست رفقة صديقي.
إذ بي ألمح طفلاً يبكي، أقتربت منه أكثر فوجدته يذرف الدموع بحرقه حتى أحمرت عينيه، ووصلت دمعاته أسفل وجهه! 
أوجعتني هيئته هذه كثيراً، وجعلتني أشفق عليه حتى قبل أن أعرف ما خطبه ، فوجهه يحكي ألماً كبيراً، و وجعاً لا يحتمل، كان كل همي أن أعرف ما به علني أجد حلاً يوقف نزيف عينيه .
وعرفت من وجهه إنه من " نازحي حرض " ، فسألته لماذا تبكي؟ ما بك لا عليك أخبرني ، أجابني سريعاً بصوت باكي : « أضعت " الألف ريال " الذي أعطني إياه أحد المارين ، وأبي شاهده وهو يعطيني ، وريثما ما أعود إلى البيت سيقول لي أعطني الألف وكل ماجمعت الليلة، فأبي قاسي، وشرس، لن يرحمني ، ولن يعذرني ، ولن يسامحني، سيظل يضربني حتى ينهي غضبه، وأنا أبحث عنه منذ نصف ساعة ، ولم أجده لذلك أنا خائف جدا ًمن عودتي إلى البيت ».
فقلت له : « هون على نفسك ، وأمسح دمع عينك ، أنت رجل لا تبكِ سنجد حلً إن شاء الله »، وسألته هل بحثت عنه جيدا ً؟ وهل أباك قريب من هنا لأذهب فأكلمه ؟ أجابني نعم ، بحثت عنه جيدا ًولم أجده ، وأبي بعيد من هنا.. لحظتها كم تمنيت أن يكون هذا الألف متوفراً لدي حالياً، فحينها لم أكن أمتلك في جيبي إلا ربع هذا المبلغ ! وماذا عساني أن أفعل له؟ فمنظره يكسر حتى تلك القلوب القاسية، الفظه، الغليظة .
فأخذت أبحث معه عن الألف علني أعثر عليه، فأنقذ الطفل من هذا الموقف الصعب، و أرحمه من قساوة ذلك الأب الجشع ! ومشيت أبحث والطفل ينظر إليّ وعيناه تخبرن : « ليته يجده ، ليته ينقذني من ورطتي »، وبعد دقائق من البحث و عندما لم أعثر عليه أدركت أنه لاجدوى من ذلك ، سألت الطفل هل لك من أقارب يعرفون أباك ليكلمه أحدهم فيغفر لك ، أجابني نعم لكن ليسوا بالقرب من هنا ، سألته أين هم أجابني في فوة ، قلت في نفسي : تباً ! ثم نظرت إلى الساعة فوجدتها متأخرة، و أنه أصبح لابد من عودة هذا الطفل إلى منزله ، وفكرت هل أذهب معه إلى والده لأستعطفه كي يصفح عنه ، ولكن خطر في ذهني ربما هذا قد يزيد الأمر سوءا ًبالنسبة للطفل ، و يغضب عليه الأب أكثر ، فما كان مني إلا إن لا أتركه يظل في الشارع ، فإن خطورة الجلوس في الشارع في هذا الوقت المتأخر ، وفي عمره الصغير أشد خطورةً من عقوبة الأب ، وإن كان الخطر في الاثنان! 
فصرت أقنعه بالعودة إلى المنزل، وقلبي يتألم لفعلي هذا، ولكن لم يكن لدي من حلاً سواه ، فربما قد يحكي هذا الطفل قصته لأحد أولئك ذوي القلوب القذرة ، والأنفس المريضة فيقوم هذا النجس بعرض إعطاءه الألف مقابل مبتغاه القذر، وواصلت إقناعه حتى وصلت كلماتي إلى عقله فوافق على الرجوع إلى بيته ، ثم دعوت له بأن يقيه الله شر ذلك الأب الجشع ، ومضينا ليعود كلاً منا إلى بيته .
عدت إلى البيت و أنا أفكر في الطفل هل عاد إلى البيت ؟ و ماذا صنع معه أباه ؟ وكيف تعامل معه عندما أخبره ؟ وأتخيل الأب وهو يضربه ويعنفه ليلتها عكر مزاجي، وشتت فكري، فأنتظرت اليوم التالي لأعاود المكان الذي وجدته فيه البارحة، حتى أطمئن عليه هل هو بخير ؟ ماذا صنع معه أبوه ؟ وهل عاد إلى البيت من الأساس ! لم أجده سرت بالقرب من المكان علني ألمحه، وعله يناديني، لكنني لم أجده، ولم يجدني.
فأصبحت أسأل نفسي الأسئلة المتراكمة في قلبي ، وعقلي مذ رأيته يتقطع بكاً ، ماهو دورنا مع الأطفال النازحيين ؟ و هل نتركهم للتسول هكذا ؟ أين حقوقهم في التعليم مثل أقرانهم؟ وأين الدور الحقيقي للسلطات والمنظمات في حمايتهم وتعليمهم؟ هؤلاء الصغار ما هم إلا ضحايا من دفع بهم للتسول، ولا ليس لهم من ذنب سوى ماحدث للبلاد! 
ثم سألت نفسي ذلك الأب الغليظ ألم يصل إليه ، وإن وصل إليه ألم يتأمل قول محمد عليه أفضل الصلاة والسلام : « لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه »، ألم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم على ثلاث أحدهن : « لا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر »
 بدلاً له من أن يتاجر هذا الجشع البخيل بأبنائه ، المساكين الصغار! 
 فمال التسول مهما كثر فهو لا يأتي إلا بالفقر بتأكيد الصادق المصدوق صلوات ربي وسلمه عليه، وأصبحت أتساءل ما هي حكاية الأطفال المتسولين ؟ والمتسولين بشكلٍ عام فقد كثر الحديث عنهم، من وراءهم أم أنهم أتوا بطريقة عفوية ، من أجل المال فقط؟ أو سدا ًللحاجة لا أكثر، لكن كم يجنون حتى يسكنوا الفنادق! هل هم ضحايا النزاعات ، وضحايا الفقر وفقد الأوطان؟ أم إنه ثمة من يحركهم؟ أو إنها طريقة سريعة لكسب المال، أم هم عزز قوماً ذلوا!
ناصر بامندود