معليش

Thursday 22 July 2021 8:42 pm

كنتُ طوال حياتي أحب كلمة "معليش" واعتبرها تهوينًا رائعًا لكل إشكالات الحياة، وطريقة لوضع اعتبارات للمسائل الفردية بعيدًا عن صلافة القوانين، أو الإلزامات التي تطبق بثقلها على حنجرتك عندما تجرب العيش في بلاد البيروقراطية والبشر اللا عاطفيين.

لكنّي وبعد إجازة امتدتْ لثلاثة أسابيع في بلاد العرب العزيزة، أجدني أرفع شعار: لو كان ال" معليش" رجلًا لقتلته.

كنتُ ذات يوم في مشوار عائلي، وقمنا بطلب "أوبر" الذي جاءنا على الموعد، بعد دقيقتين من بداية المشوار طلب أن يلغي الرحلة ويقوم بتوصيلنا "برّا المشوار" لم نفهم في البداية ما الذي يقصده، فكان رده "معليش" أصل الشركة بتاخذ جزء من فلوس الرحلة وهو أحق بها، أي إنه يريد أن يتمتع بمزايا أن يخدم باسم الشركة ثم يأخذ كامل المبلغ بطريقة ملتوية، لم نشعر بالراحة لأن نكمل الرحلة معه فطلبنا أن يتوقف وننزل، فتحوّلت ال"معليش" فجأة إلى سيل من الشتائم، إحداها كانت جديدة على مسمعي "يلعن ديك أمك"، رحت أفكر إن كان لدى أمي ديكًا من الأساس ولم لا يكون ثور أمي مثلًا هو من يُشتم؟ راسلتُ الشركة نفسها أشتكي لهم هذه الفظاظة، فواجهتُ "معليشًا" آخرًا على هيئة "تطنيش".

في إحدى مدن الألعاب، كان ابن أختي يقف في الصف، تدخل كل مجموعة من ثمانية أطفال اللعبة ثم غيرهم وهكذا، كان أمان الثامن والأخير في المجموعة متحمسًا للعب بعد انتظار لربع الساعة، وإذ فجأة يظهر طفل آخر مع امرأة، وتوقفه في الصف أمامنا، اعترضت أختي في حالة من الذهول وسألتْ عن سبب هذا التصرّف اللامعقول، فقالتْ السيدة بكل برود "معليش"، كان الطفل أمامنا مباشرة صديق ابنها، ووجدتْ في هذا سببًا كافيًا لتمرير ال "معليش" إلى جانب تبريرًا أكثر صفاقة؛ بأنهم مستعجلون". واجهتُ أنا نفس الموقف في مصلحة حكومية، كنت أقف في الصف في انتظار الموظّف الذي ذهب يصلّي، كان خلفي في الصف رجلين فما إن جاء الموظف حتى أصبحتُ فجأة كائنًا لا مرئيًا وراحوا يمدون له بأوراقهم متجاوزين أسبقيتي في الطابور، تحدثتُ إلى أحدهم بلهجة غاضبة وسألته إن كان يراني أمامه، فأجابني بلهجة كلها حنيّة :" معليش أصلها حاجة بسيطة وأمشي".

في ليلة العيد خرجنا أنا وسارة نتجهز للعيد، أردنا أن نعيش ذكريات العيد القديمة حيث كان للعيد بهجته وأجوائه، لم نكن نعلم أن طقسًا آخرًا قد أضيف لطقوس العيد؛ التحرّش! حتى الصبية الصغار من عمر المراهقين كانوا يتجمعون لإلقاء التعليقات على الفتيات المارات في الشوارع، كنت أتعجب كيف لا يؤذي هذا الفعل أحدًا! على مدخل أحد المحلات كان الأمن يقف ووجدني مشدوهة للمنظر، فأراد تطمنيني على طريقة "المعليش" الشهيرة، قال بأنهم لا يقومون بأي تحرش جسدي وهم فقط"عيال طايشة صغيّرة"، ربما أراد أن يرد على السؤال الذي دار في ذهني لحظتها، لماذا لا يتدخل المارة من الكبار لتفريقهم أو الحديث إليهم بالنصح! حتى الفتيات أنفسهن لم يعترضن وكن يتابعن المشي وكأن شيئًا لم يكن. تذكرتُ أيام أن كنا أيضًا في اليمن نتعرض للمضايقات في الشوارع والمواصلات العامة، وعندما تتحدث إحدانا يقع عليها اللوم مباشرة، كان الجميع ينصحنا إذا ما واجهنا موقفًا مشابهًا أن نسكتْ لئلا يجد الناس في مظهرنا أو تصرفاتنا ما يبرر للمتحرش فعله، وهكذا أصبحت الكثيرات ترفعن عاليًا شعار ال "معليش" حتى صار التحرش حقًا لكل من يعجبه، أو لا يعجبه، مظهر إحداهن.

أتذكر الآن، فيما لا يستوعبه هذا المقام، كم الاستغلال والتحايل الذي كنا نقع فيه تحت طائل كلمة "معليش" ، سواء في العمل أو الحياة العامة، أصاب بالقشعريرة حقًا. عندما لا تخدمك القوانين والأخلاق العامة ستجد دائمًا من يسقيك السم في كأس عسل ال "معليش"، وهي لفظة الطبطبة المحببة التي أُدخلتْ على لغتنا العربية من باب الحاجة للمواساة وإلتماس الأعذار، أصبح لها وجهًا عمليًا مظلمًا، بابًا خلفيًا تدخل منه مبررات "الفهلوة"، التهاون في الحقوق، وقلة الذوق. "معليش" هي كأس الماء الذي قد يعطيك إياه أحدهم حتى تبتلع معه غصّات تقصيره، لصوصيته، أو استغلاله. فهل تقبل ؟