كيف هي المكلا ؟

الاثنين 30 نوفمبر -1 12:00 ص

لم أزُر" المُكلا "منذ ١١ عامًا تقريبًا، كل عمومتي هناك حتى الآن، بعد آخر زيارة كنتُ قد قدمتُ القاهرة و طويتُ ثلاثة أعوام في كلية الطب عندما تلقيتُ أسوأ أخبار حياتي، وفاةَ عمي ، أحبُّ الناس إلى قلبي ، عمي "محمد" الذي ماتَ واقفاً كما الأشجار و هو يقطف الثمر في مزرعته في "غيل باوزير"، مات حضرميًاً أصيلاً، صحيح الجسد، شامخ الهيئة ، محتفظًا بلكنته و حكمته و طِيب نفْسِه وقلبه الذي لا يضاهيه قلب..

فقدتْ المكلا بريقها في وجداني مذ ذاك الحين و لم أقدر على زيارتها، لم افعل قط في الواقع، إلا أن المكلا تحفر نفسها في جدران روحي ، لا يمكنني أن أنسى لحظةً واحدةً من ذكرياتنا صغارًا و نحن نتدحرج على الدرج الأملس المُميِّز لكلِ بيوتِ المكلا ، اللون الأبيض لبيوتها وشيوخها وقلوب أهلها.

الريح ، َنفَس المكلا الدافئ المحمّل بالبحر والسمك وأهازيج الصيادين ، مذاق "اللخم" و"الروبيان" مع البراوطة الساخنة ، حتى الشاي و القهوة لم يكونا اعتياديين

كل شيء مميز هناك، كطلاقةِ لسانِ نسائها وأحاديثهن المكدسة بالنكاتِ والمرح؛ هذا البريق الذي ينعكس عشقاً للذهب والمجوهرات، التفافهن على مجالس الذكر وطقوسهن المهيبة وقت الصلاة والعبادات.

رجالها الذين يفكرون عميقاً و يحفظون التاريخ كأسمائهم ، يعشقون اللغة ، و يمتهنون النظام ، تفكر بعد برهةٍ خاطفةٍ و أنت تتجوّل في أسواق حضرموت بأن أصل الذكاء حضرمي، وأنّ أبوي الأمانة حضرميان والسلام حضرمي، ولين الجانب حضرمي، وأنّ الحضرمي الإنسان مجبول على البناء و محبة الأرض و إعمارها.

لا أعرف كيف حال المكلا الآن ، تبدو ملتهبةً و ثائرةً على غير عادتها ، و لإنسانة تعرف تمامًاً طبيعة هذا الجمع البشري و خصائص هذه البقعة المتفردة من هذا الكون ، دعوني أؤكد لكم أن الظلم و الفساد قد بلغا مَبلَغًا تتحول معه المسألة كلها إلى مبدأ كرامة أو موت.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

نص من نصوص كتابي جدار بردين.