ياسمين .. علي ياسين ..!

الجمعة 26 يونيو 2020 11:20 ص
يقولون : إن أشجار الياسمين لا تتعب أحدا في البحث عنها ، لأن عبيرها العطر يدل عليها ، و الأستاذ و الكاتب الرياضي القدير علي ياسين كأشجار الياسمين تماما، تفوح أعماله و مخرجاته وعظمته وطيب أفعاله تدل على سيره ومسيره ومصيره ..
    أينما يممت وجهك في عدن، ستشتم عطر علي ياسين ، فهو عندما هجر صحيفة 14 أكتوبر وغرد خارج سرب المجاملات، كان في الواقع يمارس طقوس القضاء و القدر ، وما أقسى أن تقطع من قلبك و تعطيه غيرك ، لكن الأيام دول كما يؤمن علي ياسين ..
   وعلي ياسين كاتب رياضي فنان ملتزم لا ينطق قلبه عن الهوى، عهدت فيه الأصالة و الانتماء للإبداع ، لهذا السبب كان الكاتب الوحيد الذي تقرأه من عينيه ، وعندما ينطق بوقاره المعتاد يأتي نطقه السامي عن عشر من الخيول المسومة ..
   منح علي ياسين بتراكيبه اللغوية البسيطة البعيدة عن التعقيد نفسا جديدا ، كان دافعا لأن تتحول الصفحة الرياضية في 14 أكتوبر إلى  منتدى رياضي يضم مختلف ألوان الطيف ..
    أحتفظ لهذا الكاتب الرياضي البارع و المنصف مسافة شاسعة من التقدير و الامتنان ، لأنه من وجهة نظري واحد من الذين قال فيهم المتنبي :
  لا خيل عندك تهديها و لا مال .. فليسعد النطق إن لم يسعد الحال ..
   لا أعلم شيئا عن أحوال هذا الكاتب الأنيق صاحب المبادرات الجريئة في زمن كان النت فيه مجرد نطفة، الحديث عنه كان كالحديث عن المستحيلات الثلاث الغول و العنقاء و الخل الوفي ..
   لكنني كلما اشتقت إليه و إلى تجليات تضاريسه ورقعته الجغرافية، تذكرت أيامه التي سادت ثم بادت، أدور عليه بين الزهور و الندى، وفي نسيم يحمله ميناء التواهي مشبع بعطر ياسمين علي ياسين ..
    ولأن علي ياسين (ياسين عليه ياسين) كاتب موضوعي ينتمي لجيل جد مبدع ، جيل دفع حياته للدفاع عن رأيه تحت سطوة المتسلطين على المفردة التي تحبل عنده بمئات الأبعاد ، فقد توارى عن الأنظار حيث لا مكان له تحت شمس قراصنة الحرية التي يتخذ منها علي ياسين منصة هوائه و شرابه و طعامه ..
   الحرية عند علي ياسين التزام بنهج ثوري متجدد ينتصر لعقول مفتوحة على الهواء و الشمس ، وليست مراهقة حزبية الكلمة فيها مدفوعة الأجر ..
    قضيت في حضرة سلطان الطرب علي ياسين ( أقصد سلطان الصحافة الرياضية الجنوبية )، سنوات قليلة طرحت أحلى أقراص العسل ، فلا أنسى أن علي ياسين خرق سطحية التعامل مع الأحداث العالمية ، ثم أنتج تغطيات عالمية الطراز مشبعة بكل توابل المتعة و بهارات الإثارة التي لا تطاق ..
   اتذكر جيدا أننا تعاونا معا لتغطية بطولات كأس الأمم الأوروبية عام 1996 ، كنت أيامها فتيا أتلمس الخطوات و أبحث عن هوية أو قبعة تقيني حرارة التعامل مع أحداث رياضية فوق صفيح ساخن .. كنت جديد (لنج) بدأت مشواري بيافتاح يا عليم ..
    كانت تغطيتنا مغايرة مختلفة شكلت بالفعل انقلابا في نسيج فنون التحليل و سبر أغوار شاكلات المنتخبات المشاركة .. كان التفاعل مع تجديدنا و أسلوبنا كبيرا جدا ، و كانت تلك التغطيات الفريدة في الصحافة الرياضية فتحا مبينا في زمن التعليب و القص و اللصق من وكالات الأنباء العالمية ..
    شهر عسل من الاستقراء في مفكرة المدربين .. طرحنا رؤى مختلفة شكلا و مضمونا .. تحليل .. تدقيق .. قراءة ما بين السطور .. فلسفة جديدة خلقت وعيا شعبيا لمسناه في التدفق الهائل على الأكشاك و المكتبات .. و أقول اليوم للأستاذ علي ياسين بعد أن حصحص الحق .. لقد كانت تلك النقلة في محتوى التغطيات حديث الأوساط الرياضية، حتى أنها أثارت غيرة كبرى الصحف الرياضية في اليمن .. فأصبحت مطاردا في شارع التحرير .. كان الأستاذ مطهر الأشموري رئيس تحرير صحيفة الرياضة يقول لمخبريه الرياضيين : اقلبوا شوارع العاصمة و القوا القبض على العولقي ..
    كان أعظم تذكار للأستاذ علي ياسين الذي غرس في تربته الطيبة بذرة الياسمين و السوسن، عندما قال الفنان الكبير الراحل محمد سعد عبدالله هاتفيا :
    لست بحاجة لأن أشاهد مباريات بطولة الأمم الأوروبية على قناة عدن ، لأنني بالفعل أشاهدها عبر قناة 14 أكتوبر كل صباح ، فما نجده في التغطيات يفوق بمراحل ما نراه داخل الملعب ..
   ثم كانت المفاجأة .. الأستاذ الراحل وشيخ الصحافة الرياضية محمد عبدالله فارع .. دخل علينا ذات يوم قائلا :
  أنتم مجانين .. في زمن الخبر المقدس .. تأتون بشكل جديد للصحافة الرياضية ..
    بعدها ناول علي ياسين ورقة مطوية قائلا :
    هذه شهادة مني بأنكم جئتم بما لم تأت به الأوائل .. وتم نشر شهادة الفارع مع نهاية البطولة .. فكان ختامها مسكا ..
   عاش علي ياسين حياته المهنية مجددا للفكر، محاربا للرتابة، منتصرا لكل ما هو مبتكر و فريد، عاكفا على  تخليص المادة الرياضية من جمودها و خجلها و إيقاعها البطيء ..
   وجدت في محتوى علي ياسين ما لم أجده عند غيره ، كنت مثل السندباد أتنقل من محطة إلى أخرى محليا و عربيا ، تعاملت مع زملاء أجلاء و أساتذة نجباء ، لكني لم أجد فيهم فراسة علي ياسين، و لا ذكاءه الصامت ، إنه مثل رأس الحية المتوقد كما قال طرفه بن العبد عن نفسه ..
   قضى علي ياسين حياته المهنية مزكوما برائحة الورق و القلم ، لم يطمع يوما ما في منصب أو سلطة ، ولم يبحث يوما ما عن سفرية رياضية كما يفعل غوغائيو الدرك الأسفل ..
   تصوروا .. تربع علي ياسين على عرش الصحافة الرياضية طويلا .. يحفر في ذاته و في وجدان غيره.. يصيغ مفرداته بأناقة جواهرجي متخصص .. طرح في رحلته تراثا لا يشبهه تراث آخر ، ومع ذلك لم أسمع يوما أنه سافر مع بعثة رياضية، فقط لأنه نبيل الطبع نقي السريرة نظيف الجيب و الفكر خال من فيروسات الشيوخ الركع و الأطفال الرضع .. قلم سحري لا يهادن و لا يساوم .. الأسود أسود .. و الأبيض أبيض .. وتلك صفات و سمات يراها مجلس شؤون القبائل الرياضية عيبا خطيرا في زمن هان فيه الود وأصبح يعيش أبد الدهر بين الحفر ..
    علي ياسين .. قامة .. لا يكفي .. علي ياسين .. قمة .. لا يكفي .. علي ياسين مقامة .. لا يكفي .. هو كالبحر في أحشائه اللؤلؤ و المرجان .. فلا غواص ينصفه .. و لا عروس بحور تروضه .. يزمجر طليقا دون قيود .. عطاء كالبحر .. و طرح كالسحر ..
     علي ياسين هكذا .. حليم .. لكن احذروا الحليم إذا غضب .. ودود .. لكن شيئا ما لا أعرف كنهه يفجر داخله براكين فنون الاستقصاء .. كان متعصبا للاعب عمر البارك .. ظل متمترسا في جبهته .. وعندما كنا نستفزه بوخزة شك .. يبتسم قائلا :
   لا سلطان للكرة اليمنية سوى عمر البارك ..
   هذا علي ياسين عندما يقتنع يقتنع بشراسة.. وعندما لا يقتنع يطرح رأيه ولو كان في ذلك هلاكه .. ومن علي ياسين تعلمت فن الإصغاء .. والله العظيم الإصغاء عند علي ياسين فن هو رائده بلا منازع .. و لأن المستمع الجيد بالضرورة متحدث جيد فقد كان علي ياسين إذا تحدث بز منافسيه..
   أعترف لكم .. يستطيع علي ياسين ببصيرته أن ينفذ إلى أعماق أعماقك .. أن يحيا ويتنفس من مساماتك .. أن يعطرك بأريج قلبه .. لكنه بالمقابل شرس في آرائه وفي مواقفه .. يستطيع أن يدخل معك 360 جولة على كأس النباهة فيسقطك بالضربة الفنية القاضية ..
   آه يا علي .. كم قتلناك بسكين التجاهل الغبي .. و كم كفناك ببياض النسيان .. وكم دفناك في أرض ذاكرتنا القاحلة ..
   معذرة يا علي ياسين فقد استرجعت قليلا من عبق الماضي ..و أججت في داخلك ذكريات تقبع بهدوء في بؤبؤ العين و تفوح برائحة ياسمين حقولك .. لو لم يكن عطر ياسمينك يزكم أنفي المتمرد على التقاليد البالية لما صنت ملاحمك .. ولما استقرأت زمان وصلك الذي يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلم ..
   طار طائر علي ياسين إلى كل البقاع، ومر عبر أعالي قلعة صيرة حيث التلال يمزق أحشاءه ولعا وعشقا وحبا وهياما .. هناك ترك نسر علي ياسين ريش الخلود وتوارى خلف ذكرى حبيب .. تاركا في أثره و سيره ياسمين يغني عن كل مصانع باريس .. 
  أمانة عليكم إن رأيتم علي ياسين بين حقول ياسمينه، قفوا له وقفة معلم ووفوه التبجيلا .. وهذا أضعف الإيمان ..!