بطل يمني في كوريا..

معمر الإرياني رفض مقابلتي، والحوثة ضايقوني.. أخذت مهر أختي وذهب أمي واشتريت تذكرة وسافرت (صور)

Monday 31 August 2020 6:40 am
معمر الإرياني رفض مقابلتي، والحوثة ضايقوني.. أخذت مهر أختي وذهب أمي واشتريت تذكرة وسافرت (صور)
يمني سبورت:
----------

- تقرير مصور يتحدث فيه البطل أحمد عسكر عن معاناته ومسيرته البطولية

- عَمِلَ كغاسل صحون في أحد المطاعم، ونام لأيام في حديقة دون أكل جيد

- أرسل عبر الفيس رسالة للأمين العام للاتحاد الكوري أخبره فيها أنه مشرد ينام في الحديقة

- بَثَّ التلفزيون الكوري تقريراً عنه، فاهتمت به الصحافة، وبدأ الناس يزورون النادي لمشاهدة اللاجئ اليمني البطل

- كيف كانت مسيرته في اليمن، وكيف أصبح بطل السوبر وبطولة المحترفين لرياضة “الواكو” في كوريا الجنوبية

البطل متذكراً الماضي:

- كُنتُ أتمرن في حوش بيتنا وفي شوارع مدينة حجة، حيث كان الناس يصفوني بالمجنون ويسخرون مني

- كُنتُ في حجة أجمع تراب داخل شُوَالَة وأمي تحمله لي على رأسها كي أُعَلِقه، وأجلس أتدرب فيه على اللكم والركل

- معمر الإرياني رفض مقابلتي، والحوثة ضايقوني.. أخذت مهر أختي وذهب أمي واشتريت تذكرة وسافرت

صحيفة “الشارع” ـ هاني الجنيد:

وهو في عمر الخامسة بدأ أحمد عسكر يلعب التايكوندو في الشارع المجاور لمنزل والده، في مدينة حجة، بمساعدة صهيره الذي كان يتمرن في مدينة الحديدة، ويعود ليعلمه الحركات القتالية. لكنه توقف عنها وهو في السابعة، بسبب عدم وجود أندية للعبة في المدينة الجبلية.

ذهب بعدها صوب كرة القدم، لكنه لم يجد نفسه فيها، وانصرف إلى أحلامه الطفولية في أن يصبح ملاكماً مثل نسيم حميد، ومحمد علي كلاي، حيث يقول: “كنت أحلم أن أكون بطلاً مثلهم، وكنت أصنع من الكراتين أحزمة وأرتديها، وأحلم أني بطل العالم”.

وبعدها بدأ يقرأ كتب عن “بروسلي” ويتعلم منها “الكونغ فو”، ثم طوَّر حلمه إلى رياضة “الكيك بوكسينج” التي لم تكن موجودة حينها في اليمن. لكنه شعر أن هذه اللعبة تناسبه وتمثل شخصيته، خصوصاً بعد مشاهدته لأفلام “فان دام” وتأثره بها.

رياضة الكيك بوكسينج، وتُعَد حالياً من أشهر الألعاب القتالية في العالم، إذا لم تكن الأولى، دخلت اليمن في العام 2005، وكانت ضمن اتحاد الملاكمة، لكن أحمد كان سباقاً لها، حيث بدأ يتعلمها بشكل جدي وذاتي منذ العام 2000، كما يقول.

هذه الرياضة خطفت أحمد تماماً، ومن شوارع مدينة حجة ومن الركل واللكم على “شوالات” التراب، ومن على شجرة أمه في حوش المنزل، بدأ حلمه ومشواره البطولي.

يقول: “كان حلمي ألبس قفاز ملاكمة، ولبست أول قفاز في عام 2006 في صنعاء، وأنا طفل في عمر الخامسة عشر.. كان شعوري لا يوصف يومها، ورحت إلى رئيس الاتحاد وقلت له: “ممكن تعطيني هذا نفسي فيه؟”، فأعطاه لي، وعدت به فرحاً إلى حجة”.

ويضيف: “طلعت إلى صنعاء للمشاركة في بطولة الجمهورية، لكنهم لم يسمحوا لي باللعب، لأني مبتدئ وعديم خبرة، وقالوا لي: شاهد الناس كيف تلعب أولاً وتعلم منهم”.

ويواصل حديثه: “أنا أصلاً جالس أتعلم في الشارع وفي البيت من 2000 إلى 2006، ولا يوجد في حجة أي أندية للملاكمة، ولا أي أندية لأي لعبة قتالية أخرى”.

وهو في السادسة عشر من عمره قرر أحمد السفر إلى مدينة الحديدة. عرض الأمر على والده وأمه، لكنهما رفضا ذلك في البداية، وبعد أن بكى سمحا له بالسفر ليكتشف أن لعبة الكيك بوكسينج موجودة هناك، لكن لم تكن لعبة أساسية.

في الحديدة، تعرف أحمد على الكابتن خليل الأهدل، مدرب نادي الجيل حينها، ومدرب المنتخب اليمني لـ “الكيك بوكسينج” حالياً، وأخبره أنه يريد أن يتعلم اللعبة فوافق، والتحق بالنادي وتعلم أساسيات الكيك بوكسينج.

بعدها أقيمت بطولة الجمهورية في الحديدة عام 2008، ولم يكن أحمد قد بلغ المستوى الذي يؤهله للمشاركة فيها؛ خوض نزال ضمن بطولة الجمهورية. لكنه غامر وشارك باسم نادي عبس، التابع لمحافظة حجة، وخسر هذا النزال أمام بطل الجمهورية.

يتذكر أحمد: “تلك كانت أول مشاركة لي، وخصمي كان لاعباً لمنتخب اليمن ولاعباً قديماً وبطلاً للجمهورية، وعنده مدرب، وأنا ولا عندي حاجة.. تمرنت فقط في الحديدة لمدة شهر.. وعدت بعدها إلى حجة، وكنت أتمرن في حوش المنزل وفي الشوارع، وأمي كان لديها شجرة تين في الحوش، كسّرت أبوها وأنا أزَبِّطْها [أركلها]، وكانت تخرج أمي بالحجار تجدلني وتصيح [ترميني وتصرخ]: كسّرت الشجرة حقي”.

ويضيف: “كنت، أيضاً، أجمع تراب داخل شُوَالَة، وأمي تحمله لي، وأنا أعلقه عشان أجلس أتدرب فيه على اللكم والركل. هذه كانت هي أدواتي للتمرين فقط، وذهبت بعدها لمنازلة بطل الجمهورية وخسرت”.

ويواصل: “أبي وأمي لم يشجعوني، في البداية، وكانا يطلبان مني أن أتوقف عن التمرين.. لأنها رياضة فيها ضرب ويشتوني ألعب كرة قدم.. لكن أمي كانت تدعمني في السر، وتجيب لي فلوس عندما أُسافر، وترفع معي كيس التراب فوق رأسها”.

يستطرد: “في إحدى المرات، كانت أمي ترفع معي كيس التراب وتعورت [تأذت] في رقبتها، ويومها قلت لها: شوفي يا أمه، بدل كيس التراب هذا بخليك تلبسي فوق راسك تاج من الذهب، وأنا مصمم أن أقلدها الذهب لأن الكيس اللي رفعته على رأسها، وعوَّرت نفسها بسببه من أجلي، كان أمراً كبيراً، لن أنساه، ولن أسامح نفسي عليه”.

كانوا يصفوني بالمجنون ويسخرون مني بعد هزيمته في الحديدة، أقيمت بطولة الجمهورية الثالثة للكيك بوكسينج في صنعاء، عام 2011، وشارك أحمد فيها. لعب أول نزال له وفاز فيه، ولعب ثاني نزال وفاز فيه، وانهزم في النزال النهائي بسبب إصابة في ركبته، لكنه حصل على المركز الثاني في الجمهورية، واستطاع بهذا الإنجاز أن يخرس جميع من سخروا منه.

يعود أحمد ليتحدث عن تمارينه في شوارع مدينة حجة، وكيف كانت الناس تسخر منه: “كنت أشاهد في اليوتيوب الأساليب القتالية وأتعلم منها، وأخرج أتمرن عليها، وأطبقها في الشارع، وأحيان أكون أمشي أفكر ويطلع برأسي تكنيك معين وأقوم أسوِّيه في الشارع، وكانوا يصفوني بالمجنون، ويسخرون مني”.

يضيف: “كنت لا أفكر بهذا كله، وتفكيري الوحيد أنه لازم أفوز في جميع البطولات، أشتي ألبس الحزام. كنت أشوف نفسي بطلاً، ومتأثراً كثيراً بمحمد علي وأريد أن أُغير من فكر المجتمع الذي لا يتقبل أي جديد، هذه رسالتي ومازالت”.

أول زيارة إلى كوريا قبل أن يعودها لاجئاً في العام 2013 كان المنتخب اليمني يستعد للمشاركة في بطولة أسيا التي ستقام في كوريا الجنوبية، وكان أحمد ضمن المشاركين في هذه البطولة، التي شاركت فيها جميع منتخبات الدول الأسيوية.

يقول أحمد: “كلمت أبي وقلت له: أنا مسافر كوريا، فضحك عليَّ، وكلمت أمي ودعت لي بالتوفيق وهي تضحك لأنها ليست مصدقة. لم يكن أحد يصدقني! بعدها سافرت إلى صنعاء من أجل المعسكر التدريبي الذي استمر 23 يوماً، واتصلت بأبي من المطار، أخبرته أني مسافر وأغلقت التلفون وصعدت الطائرة، وكانت فرحتي لا توصف”.

يضيف: “سافرت في شهر مايو 2013، ووصلت مدينه أنتشون في كوريا، وكان أول نزال لي مع بطل من منغوليا، وأنا كنت اُعتبر جداً مبتدئاً مقارنة بأبطال الخارج بحكم الإمكانيات والتأهيل الذي يلاقونه في بلدانهم، وقدمت مستوى جداً رائع”.

يمضي في القول: “كنت متقدماً على خصمي بالثلاث الجولات، لكن كان عندي أخطاء حيث كنت أضربه في أماكن ممنوعة، وكان الحكم يحذرني باستمرار، وأنا لا أفهمه. ضربت الولد وكان الدم يسيل من وجهه ولا رضي ينهزم، أتعبني وأنا أضربه بكل قوتي، وفي الأخير ضربته ضربة أسقطته أرضاً، ولحقته ودسته في وجهه، وهذا ما زاد الطين بلة، والحكم هنا أعطاني إنذار وخصم مني كل النقاط وحسب الفوز له، لأن ما قمت به ممنوع، وأنا ارتكبت خروقات كثيرة”.

يستطرد: “أوقفني الحكم ورفع يد خصمي ومنحه الفوز، وأنا انهرت باكياً لأني كنت فائزاً، بعدها نزل إليّ رئيس الاتحاد العربي باسل الشاعر (أردني الجنسية)، ونزل، أيضاً، المشرف الفني للاتحاد العربي عيسى أبو نصار (أردني الجنسية)، وحضني هذا الأخير وقال لي: المستوى الذي قدمته جداً رائع، ولك مني معسكر تدريبي لمدة شهرين في الأردن، ما عليك إلا تذاكر السفر وصرفتك فقط، والبقية كله علينا”.

ويزيد: “يومها اللجنة الأولمبية اليمنية قدمت لنا من 500 دولار، الشباب كلهم خرجوا يتسوقون ويتمشون، وأنا كنت أروح أتفرج على بقية المباريات في البطولة، واحتفظت بفلوسي لسفرية الأردن”.

ويتابع قائلاً: “عدنا إلى اليمن وأول ما وصلت المطار فتحت تلفوني واتصل بي أبي على طول، اتصل بي وهو يبكي، وقال لي التقرير الذي انكتب عنك في صحيفة الثورة يكفيني. قلت له ممازحاً: “ذحين آمنت بأبنك؟”.

صرف أحمد 100 دولار في صنعاء، واشترى لوالده وأمه وخواته هدايا، لأن أسعارها رخيصة على عكس كوريا، ووصل حجة وبدأ بالتفكير كيف يجمع المال من أجل السفر إلى الأردن.

السفر إلى الأردن والمتاعب والخذلان

حدث اجتماع لقيادة السلطة المحلية في منزل محافظ حجة، حينها، اللواء علي بن علي القيسي، واستغل أحمد الوضع ودخل لمقابلة المحافظ، وعرَّفه بنفسه، وعرض عليه التقرير المنشور عنه في “الثورة”، وأخبره أنه يريد مساعدة كي يتمكن من السفر إلى الأردن.

المحافظ وجه، يومها، بصرف 150 ألف ريال (50 ألفاً من حسابه الشخصي في المحافظة، و100 ألف من مكتب الشباب والرياضة). تعذب أحمد وهو يتابع، ولم يخرج المبلغ إلا بشق الأنفس.

يقول أحمد: “استخدمت وساطات واتصالات و… إلخ، وعاد فوق هذا كله كان أمين صندوق المحافظة عند صرفها يريد أن يأخذ من الخمسين الألف عشرة ألف ريال! وأنا صَيَّحت ورفضت، فصرفها لي كاملة”.

يضيف: “بقت الـ100 الألف في مكتب الشباب والرياضة ورفضوا صرفها، وطلبوا أمراً من المحافظ بصورة استثنائية، فعدت إلى منزل المحافظ ورفض مقابلتي، وجلست له بالباب؛ كان المحافظ لا يداوم في المحافظة أبداً، كنت أداوم يومياً أمام بيته فأدخلوني لعنده بعد شق الأنفس، ووجه بالصرف بصورة استثنائية”.

أخذ أحمد الأمر الجديد وذهب به إلى مكتب الشباب والرياضة، وصرف المبلغ بعد شهرين من المماطلة والمعاملات.

ويواصل: “تعبت وعدت إلى أمي وأنا أبكي لأن هذا المبلغ لا يكفيني، فأعطتني طقم ذهبها، وبعته بـ 250 ألف ريال، وسافرت الأردن بتاريخ 26 سبتمبر 2013، وجلست هناك ثلاثة أشهر، واستفدت كثيراً، وكانت بداية انطلاقتي الحقيقية، واشتريت لي ملابس وأدوات رياضية لأنه لم يكن معي، ولم يعد يلزمني شيء غير البطولات”.

وفيما يتحدث أحمد عن بطولة محلية أقيمت، حينها، في الأردن وشارك فيها باسم مركز الأقصى الذي يقيم فيه المعسكر وفاز فيها؛ قال: “بعدها وأنا في الأردن كانت هناك بطولة العالم في تركيا، والأردنيين كانوا يتجهزون للسفر، فطلب مني المدرب الأردني أن أتواصل مع الاتحاد اليمني وأطلب منهم يرسلوا إيميل فقط للاتحاد الدولي يبلغوه فيه أني سأشارك في تلك البطولة”.

يضيف: “تواصلت مع رئيس الاتحاد، علي داوود السوادي، فرفض أن يوجه رسالة للاتحاد الدولي بذلك، وقال لي: لازم أسافر معك! أخبرته: أنا مسافر على حسابي، والأردنيين قالوا بايساعدوني في أي حاجة تنقصني. قال: أروح معك وإلَّا ما فيش!”.

يتابع أحمد قائلاً: “تواصل رئيس الاتحاد العربي للعبة، والكابتن عيسى أبو نصار مع علي داوود السوادي، وأخبراه أني جاهز للمشاركة في تلك البطولة، وحاول أبو نصار أن يقنعه، وكان يخبره أني مشروع بطل حقيقي. كان يقول له أنا عندي بطل أمامي، لكنه رفض أن يوجه رسالة إلى الاتحاد الدولي إلا إذا سافر هو معي!”.

أحمد الذي يتحدث بحسرة عن عدم السماح له بالمشاركة في تلك البطولة، التي عُقدت في تركيا، أخبرنا أنه عاد بعدها ليتقدم لاختبار الحزام الأسود في الأردن، وتم اختباره أمام لجنة من الاتحاد العربي للكيك بوكسينج، ونجح بامتياز، وبهذا يكون أول لاعب يمني يحصل على هذا الحزام مع أنه في اليمن رفضوا منحه حزام يمني عادي!.

وعن حصوله على الحزام يقول أحمد: “رئيس الاتحاد العربي عمل خلف شهادتي ختم، وكتب عليها تعتمد درجة الحزام الأسود بعد ختمه من الاتحاد اليمني، ورئيس هذا الأخير رفض أن يختمها بحجة أني لم أكلمه من قبل، وكان يريد أن يسحب مني الشهادة، ورفضت وقلت له: سافرت إلى الأردن وجبت هذه الشاهدة بفلوس أمي وأنتم لم تساعدوني بشيء”.

يعود أحمد للحديث عن من ساعدوه في السفر إلى الأردن، ويؤكد أنه طرق كل الأبواب، تجار ومسؤولين في الدولة، ولم يستجب له أحد غير الشيخ محمد يحيى هاشم سلبة، وهو تاجر أعطاه خمسين ألف ريال، والأستاذة بسمة القباطي التي أعطته خمسين دولاراً.

ويقول: “رئيس الاتحاد السوادي لم يعطني شيئاً، عمل لي مذكرة إلى وزير الشباب والرياضة معمر الإرياني لمساعدتي بمبلغ، وذهبت إلى الوزارة، والوزير رفض مقابلتي، وذهبت له أيضاً إلى مقر اتحاد شباب اليمن، ورفض مقابلتي أيضاً”.

ويضيف: “اتصلت بالشيخ فهد دهشوش، كان يومها في صنعاء، ورحت أنا وهو لوزير الشباب الإرياني، واستقبلني هذا الأخير بالأحضان ووعدنا بالصرف. أخذ المذكرة وأخفاها في مكتبه إلى حد هذه اللحظة التي أتكلم فيها معك الآن، كنت أعود له ورفض أن يقابلني، وأنا وقتي قصير، فسافرت بعدها الأردن، وأطالبه الآن أن يعيد لي مذكرتي لأني تعبت فيها وخسرت عليها وطبعتها ملون”.

عودته من الأردن وتحقيق بطولة الجمهورية

بعد عودة أحمد عسكر من الأردن إلى اليمن، شارك في بطولة الجمهورية الخامسة للكيك بوكسينج، التي أقيمت في صنعاء عام 2013- 2014، وفاز فيها، وحصل على المركز الأول في الجمهورية.

وعاد هذه المرة إلى مدينة حجة متوجاً ببطولة الجمهورية يتفاخر بها أمام من كانوا يصفونه بالمجنون ويسخرون منه، وبعدها شارك في بطولة العرب المقامة في المغرب عام 2014، وحلَّ ثالثاً في البطولة.

قال أحمد: “في المغرب كان وزني 58 كيلو، وطُلِبَ مني أن أنزل من وزني كي ألعب في الخمسين كيلو، ونزلت وزني خلال أقل من شهر بطريقة خاطئة 10 كيلو، كنت أشرب حبوب لازكس لتنشيف الجسم وهي للمرضى بالجلطات والضغط، وأنا لا يوجد لدي وعي بتنزيل الوزن، وأهلكت نفسي، ولم يكن عندي طاقة، ولا أي شيء”.

ويضيف :”أصبحت جلد وعظم، ودخلت النزال بوزن 48 وكنت قد تأهلت بالقرعة، ولعبت النزال مع بطل مغربي وانهزمت منه؛ كنت متعباً وأشوف خصمي اثنين، وانسحبت وحصلت على المركز الثالث في الوطن العربي”.

السفر إلى ماليزيا وبداية تحقيق البطولات الاحترافية

تعرض أحمد لمضايقات عدة من قبل مليشيات الحوثي في مدينة حجة، وصلت إلى الاعتقال واتهامه بتصوير مواقع عسكرية، وإرسال إحداثيات لدول التحالف العربي، فقرر بعدها السفر خارج اليمن.

ويقول: “حاربوني حتى في لقمة عيشي، وبعدها سافرت صنعاء، وجلست فترة، كنت أعمل مدرباً في نادي الطفل، ومدَرِّس رياضة في مدرسة أهلية، واشتغلت فيما بعد بمؤسسة شبابية تنموية، وكنت، أيضاً، أتمرن في نفس الوقت وأحاول أجمع مبلغ للسفر”.

ويضيف: “أثناء مكوثي في صنعاء حصل لوالدي جلطة لايزال مشلولاً منها حتى اليوم ولا يستطيع الحركة، فعدت إلى حجة وأخذته إلى صنعاء للعلاج”.

ويتابع: “صنعاء، أيضاً، لم أكن في مأمن فيها، ووصلتني مضايقاتهم، حتى جواز السفر الخاص بي اختفى من الفندق.. لم يحترموا مرض أبي الذي كنت أعالجه حينها”.

وعن طريق صديق، وبالسر، وبالفلوس، استطاع أحمد أن يحصل على جواز سفر جديد من مدينة الحديدة، وكان يريد السفر إلى الأردن لعمل معسكر تدريبي هناك، وبعدها سيفكر ما الذي عليه عمله، وتواصل مع المشرف الفني للاتحاد العربي، لكنهم اعتذروا له بسبب أن الاتحاد اليمني لم يدفع رسوم الاشتراك للاتحاد العربي.

ويتحدث أحمد: “كنت أريد أخرج من اليمن بأي طريقة، وكنت أفكر بالسفر إلى مصر، لكن ما فيش عندي فلوس كثير عشان أقطع تقرير طبي أني مريض، ولا عندي استعداد أفَاوِل على نفسي أني مريض، بعدها أُحبطت جداً، ورجعت أخزن وأدخن في تلك الفترة. هذا كان في نهاية 2017”.

يتابع: “وأنا في قمة الإحباط، تواصل معي صديقي من ماليزيا وحكيت له الوضع كامل، فأخبرني أن السفر إلى ماليزيا لا يحتاج فيزا، وذهبت أسأل عن سعر تذكرة الطيران، قالوا ألف دولار، وأنا لا يوجد لدي غير 400 ألف ريال كنت مخبيها لوقت الحاجة، وما كان أمامي إلا أمي.. عدت إليها، وعندما شاهدتني محبط، رمت لي ببقية ذهبها، وهو آخر ما تملك من ذهب”.

وفيما يؤكد أحمد أن ذَهْب والدته لا يكفي لقيمة التذكرة، قال: “أختي أبرار كان زواجها قريب ودفعوا لها المهر، أخذت المهر وأعطته لي! سألتها: أنتِ كيف با تعملي؟ قالت: سهل.. أنت لما قدك في ماليزيا با تلعب وتحقق حلمك وتحصل فلوس ورجع لي المهر”.

ويضيف: “يومها، كان زواج أختي بعد خمسه أشهر، لكنه تأجل بسبب الأوضاع والحرب، ولم تتزوج إلا قبل سنة، ولم أعيد لها مهرها إلى الآن”.

يواصل: “أخذت مهر أختي وذهب أمي، واشتريت تذكرة سفر، وسافرت صوب عدن، وكنت أتوقف في كل نقطة تابعة للحوثيين بسبب أنه في جواز السفر مكتوب من مواليد السعودية! كانوا يوقفوني ويتهموني بأني سعودي وعميل للعدوان، لكن كنت أتخارج منهم بأسلوبي”.

يتابع حديثه: “بعد تجاوزي لنقاط الحوثيين، بدأت في قصة ثانية من التوقيف مع نقاط الشرعية والحراك الجنوبي بسبب أني شمالي، وفي كل نقطة كان يتم التحقيق معي، ولم أصل عدن إلا بشق الأنفس؛ وأكثر نقطة أوقفوني فيها كانت على مدخل الضالع، وقلت لهم: أنا مسافر خارج اليمن، لا أشتي لا جنوبكم ولا شمالكم”.

ويضيف: “في مطار عدن كانوا يعيدون أي شخص جوازه صادر من بعد 2015 من أي محافظة مسيطر عليها الحوثي، وبالوساطة والفلوس سافرت صوب ماليزيا، وجلست فيها 3 أشهر ألعب وأتدرب، ولعبت 3 مباريات احترافية في رياضة “المواي تاي”، وهي ملاكمة تايلاندية غير الكيك بوكسينج، وفزت في جميعهن”.

وعن خوضه هذا النوع من النزالات يقول: “هي اللعبة السائدة في ماليزيا، ولم يكن أمامي غيرها، وهي لا تختلف كثيراً عن الكيك بوكسينج”.

 يضيف: “في ماليزيا حصلت في البداية على بطولة التحدي للمواي تاي، كانت في تاريخ 24 مارس 2018، وبعدها حصلت على بطولة السوبر الماليزي بتاريخ 9 أبريل 2018، والبطولة الثالثة كانت في تاريخ 25 أبريل”.

العودة إلى كوريا كلاجئ

كان لدى أحمد نزال يصفه بالمهم في ماليزيا بتاريخ 5 مايو 2018، وقبل الموعد بأيام تواصل معه صديق يمني في كوريا يخبره أن جزيرة جيجو الكورية مفتوحة لليمنيين، وأرسل له تذكرة سفر، وسافر في تاريخ 2 مايو إلى كوريا.

وصل أحمد إلى جيجو وكان في باله أن كوريا هي نفسها التي زارها في العام 2013، وسيحظى بالترحيب الجميل والناس الطيبين الرائعين، لكنه وجد العكس تماماً، على حد تعبيره.

وقال: “في المطار كانوا يحتجزون اليمنيين، وأنا وصلت للكونتر وسلمت جوازي، سألتني الموظفة بعد أن أدخلت بصمتي هل سبق لك أن زرت كوريا من قبل؟ أجبتها: نعم، فقلبت الجواز وأخبرتها أن هذا جواز جديد، وأخرجت لها صورة للجواز القديم في التلفون، فختمت لي ودخلت مباشرة ولم تحصل لي أي مشكلة في المطار”.

وأضاف: “بعد أسبوع من وصولي إلى جيجو، ذهبت إلى مكتب الهجرة، وقدمت لجوء. انا ما فيش معي فلوس وصاحبي كان يساعدني كثيراً ولم يقصر ووقف معي، بعدها بدأت العنصرية تواجهني من الكوريين، وبدأ الإعلام الكوري يشتغل ضدنا نحن اليمنيين ويصفنا بالمخربين والإرهابيين و.. الخ”.

ويواصل: “كنت أجلس لوحدي ويدي في التلفون أبحث عن أي طريقة توصلني للرياضة أو إلى أي مركز أو نادي رياضي، وذات يوم وجدت نادي فدخلته، وعندما عرف أني يمني طردني.. كان ما حد يقبلني، حتى مرة رحت سكنت في فندق وطردوني لأني يمني، كنت أمشي في الشارع وأتعرض لعنصرية كثير ويسبوني. رجعت التزمت البيت وما كنت أخرج”.

ويزيد: “خلال تلك الفترة فتحت الفيس وحصلت إعلان كأنه رسالة إلهية جاءت لي من السماء، لقيت اتحاد الواكو الكوري للكيك بوكسينج منزلين دورة تحكيمية، دخلت أشوف لو في حد في التعليقات يتكلم إنجليزي، كانوا كلهم يعلقوا بالكوري ماعدا تعليق واحد بالإنجليزية، دخلت على حسابه شفته أمريكي، وأرسلت له على الخاص وحكيت له أني يمني لاجئ، وأنا لاعب وبطل، وطلبت منه المساعدة”.

بعد أسبوع رد على رسالة أحمد وتعاطف معه، وطلب منه ما يثبت أنه لاعب، فأرسل له صوره والفيديوهات، وشهادة مشاركته في 2013 بكوريا، وقام الأمريكي بإرسالها لأمين عام الاتحاد الكوري، وهذا الأخير تذكر أحمد ووعد بالمساعدة.

تم تحرير مذكرة من الاتحاد الكوري لمكتب الهجرة في جزيرة جيجو بالسماح لأحمد بالسفر إلى العاصمة سول لإقامة نزال، لكنهم رفضوا السماح له بالسفر.

وبعد وقت قصير، الحكومة الكورية سمحت لليمنيين العالقين في جيجو بالعمل، وذهب أحمد للتقديم على عمل في المطاعم، وحظي بفرصة عمل في أحد المطاعم الكورية، لكنه طرد منه بعد أسبوعين.

وعن عمله في المطعم يتذكر أحمد: “صاحب المطعم شغلني بين النار والفحم وحرقت يداتي، وشغلني منظف صحون وممسح طاولات وأنظف الحمامات، وكانت زوجة صاحب المطعم عنصرية جداً معي لدرجة أنها تخليني ألقط أعقاب السجائر من موقف السيارات ومن جوار المطعم؛ أنا شغلي في المطعم وليس في الشارع، لكني كنت مضطراً فلا يوجد لدي فلوس ولا مكان أنام فيه”.

ويقول: “بعدها طردوني ولم يجيبوا لي أجرتي، ووقتها لم يكن لدي أي مكان أذهب إليه، وهددوني إذا لم أخرج من السكن سيبلغون الشرطة! اضطريت أن أذهب إلى الحديقة التي كنت أتمرن فيها، وجلست أنام هناك لمدة ثلاثة أيام”.

ويضيف: “كانوا أهلي يتواصلون معي وأنا في وضع سيء ومشرد، واضطريت أذهب أتصور لهم في الكافيهات والأماكن الحلوة، وأرسل الصور لهم عشان يعرفوا أني مرتاح ولست بحاجة لشيء، وأرجع أبكي وأنام في الحديقة. كان يومي كله يمر على وجبة أندومي واحدة آكلها في الليل عشان أقدر أنام وأعيش لليوم التالي”.

ويواصل: “صباح اليوم الرابع، وأنا في الحديقة، ذهبت لمركز اللاجئين أبحث عن سكن، قالوا لي دبر حالك في أي مكان، وبعد أسبوع إذا فضي السكن سنبلغك”.

عاد أحمد صوب السيدة كريستينا، وهي مسيحية كاثوليكية طيبة تساعد اليمنيين، وطلب منها سكن، فعرضت عليه أن يسكن مع يمنيين كانوا متواجدين ساعتها في مكتبها، وأخذوا رقمه وهو أخذ رقم أحدهم ليتواصل معه بعد أن يعود لجلب حقيبته من الحديقة التي نام فيها ثلاث ليال.

وصل أحمد الحديقة وأخذ حقيبته واتصل باليمني الذي سيسكن معه، لكن الأخير لم يرد. كرر أحمد الاتصال، وأرسل له عدداً من الرسائل يطالبه بعنوان المنزل، لكن دون جدوى.

يقول أحمد: “جلست في الحديقة أبكي، كانت السماء تمطر وعيوني تمطر أيضاً، وأنا في حالة من القهر والحزن لا يعلم بها إلا الله، فتحت التلفون وأرسلت رسالة عبر الفيس للأمين العام للاتحاد الكوري المستر كونج، أخبرته أني أنام في الحديقة ولا يوجد لدي مكان أذهب إليه”. هنا يبكي البطل ويتوقف عن الحديث ليجفف دموعه، ويعود ليواصل: “أخبرت المستر كونج أني أحتاج مساعدة. قال: أيش؟. قلت له: أنا الآن في الشارع ولا يوجد لدي سكن، ولا أعرف أين أذهب، ولا يوجد لدي فلوس، وأنتم وعدتم بمساعدتي، فطلب مني أن أمهله دقائق”.

وهنا يتذكر أحمد أنه سبق للمستر كونج أن أرسل له اثنين مدربين لمساعدته، حيث يقول: “كان معي يومها أربعة يمنيين بجواري وقالوا نحن لا يوجد لدينا سكن وطلبوا من المدربين المساعدة، رجعوا فلتوني وفلتوهم وراحوا!”.

ويعود لمواصلة حديثه: “بعد حوالي خمس دقائق المستر جونج أرسل لي عنوان لنادي وطلب مني أن أذهب إليه مع حقيبتي. النادي اسمه ال دو جيم، وكان لا يوجد في جيبي غير خمسة ألف ون، يعني ما يقارب أربعة دولار، أوقفت تاكس وركبت وعندما بلغ العداد خمسة ألف أمرته أن يقف جانباً ونزلت وواصلت بقية المشوار مشياً على الأقدام، مشيت حوالي كيلو”.

ويضيف: “وصلت عند حدود الواحدة ظهراً واستقبلني مدرب النادي، وتمرنت معه عند وصولي، وبعدها أخذني إلى المستشفى وعمل لي فحص كحوليات ومنشطات وطلعت سليم، بعدها عزمني إلى مطعم، وسألني عن سكني وأخبرته أنه لا يوجد لدي سكن”.

ويتابع: “سألني هل عندي استعداد أنام في النادي؟ أخبرته أنه لا يوجد أي مشكلة، فعدنا إلى النادي وجلست أتمرن، وجاء لي في الليل وأخذني إلى فندق قريب من النادي، وقال لي: أنت ستسكن هنا. وأعطاني مصروف وطلب مني أن أحضر للتمرين في النادي”.

وقال أحمد: “فرحت، ومن الفرحة جلست أبكي، كنت أقول المفروض أنا ما أتعذب هذا العذاب كله، لأني ما عملت حاجة غلط في حياتي؛ لكن أيش نعمل.. الحياة مش كلها حلوة. اتصلت لأمي وأنا أبكي، وقلت لها: الآن وجدت كوريين يهتموا فيني وعندي نادي أتمرن فيه، لا تهموني أنا بخير”.

ويضيف: “المدرب اسمه هوتشانج هي، كان متعاطفاً معي جداً ومهتم فيني، وكان يجيب لي دجاج إذا في عزومة، ويقول لهم هذا مسلم لا يأكل الخنزير ولا يشرب الخمر.. هذا الشخص أنا ممتن له جداً، وطول عمري لا يمكن أنسيه ولا أنسى وقفته معي”.

العنصرية التي واجهته في نادي ال دو جيم في النادي تعرض أحمد لمعاملة عنصرية من قبل بعض الشباب الكوريين وكان يحاول أن يبقى بعيداً عن نظراتهم التي كانت تمثل له إزعاجاً كبيراً، وبعد أيام قرر أن يضع حداً لهذا الإزعاج الذي كان يقلق راحته.

وحسب أحمد، كانوا يرفضون حتى التمرين معه، وحاول أن يتقرب من أحدهم، وهو الأكثر عنصرية، ودعاه لقتال في اللعبة، وعن هذا الموقف يقول: “فكرت أن هذا هو الحل الوحيد أني أفرغ طاقته ضدي في اللعب لأنه كان أكثر شخص لا يطيقني، فوافق، ولعبنا وكان يضرب بغل”. وأضاف: “انتهينا من القتال وشعرت أن طاقته ضدي تفرغت وشكرته، بعدها حضني وقال لي ثانكس بروا، وسألني عن اسمي قلت له عسكر، قال تقدر تناديني كيم”.

وتابع: “اليوم الثاني جاء كيم يكلمني، وكان يطلب مني مساعدته في التمرين، وكان يساعدني أيضاً، وبعدها عزمته عشاء لغرفتي في الفندق فوافق، وكان معي عطر أهديته إياه، وقال لي أنت مش زي اليمنيين اللي نقرأ عنهم ونشاهدهم في الشوارع، أنا أشوف ناس سيئين يكسروا إشارات المشاة ويدخنوا في كل مكان، ويتفرجوا في البنات، بس أنت شخص مختلف عنهم”.

أحمد يخبر كيم، الذي أصبح صديقه، أنه ليس كل اليمنيين سيئين ويقنعه أن هناك كوريين أيضاً سيئين، لكن التعميم على الجميع غلط، فيحضنه ويعتذر منه ويقول له: “أنا كنت عنصري معك وأشوفك شخص سيئ، فسامحني”.

اليوم الثاني حضر كيم إلى النادي وأعطى أحمد هدية عبارة عن ملابس، بينها ملابس رياضية، قبلها أحمد وشكره عليها، وبعدها أصبحا صديقين جداً، وعرفه على زوجته وطفلته، وكان يشجعه في كل نزال ويصعد معه للحلبة، وإلى الآن مستمرين في التواصل.

  قصة أحمد مع الإعلام الكوري

أحد الصحفيين الكوريين كان قد التقى بأحمد وكتب قصته، وبدأ الإعلام الكوري يتفاعل مع قصة بطل يمني ويبحث عنه، وبعدها حضر التلفزيون الكوري (الكي بي إس) إلى النادي، والتقى أحمد، وعمل عنه تقريراً مصوراً.

بعد التقرير الذي بَثَّه التلفزيون بدأت الناس تزور النادي لتشاهد اللاجئ اليمني البطل، ويقول أحمد: “كانت الناس تجي وأشوفها تؤشر عليّ، رحت لعند صديقي كيم وسألته هل يوجد شيء؟! إذا في مشكلة أنا بخرج من النادي وأكون أجي في وقت لا يوجد فيه أحد”.

وأضاف: “قال لي لا، هذه الناس أجت تشوفك وتشتي تتصور معك، سألته ليش يتصوروا معي؟ قال: أنت الآن أصبحت مشهوراً.. طلعت في التلفزيون والصحف تتكلم عنك”.

يومها لم يكن أحمد يعرف أن التلفزيون الكوري عرض قصته، وبعدها حضرت الكثير من وسائل الإعلام تصور معه، ومنها “الإس بي إس، اليونهاب نيوز” ووسائل إعلام أخريات لم يعد يتذكر أسماءها، فقرر أن يستغل الوضع ويحسن ما أمكن من الصورة المشوهة لليمنيين في كوريا، وكان يوضح لهم أن اليمنيين متعلمون وأصحاب حضارة وكثير من الإعلام ينقل صورة مغلوطة عنهم.

ويقول: “بعدها كنت أخرج الشارع وأجد كوريين يريدون أخذ صور تذكارية معي، وخفت العنصرية التي كنت أواجهها، وعملت شهرة أيضاً للناي الذي أتمرن فيه، وحضرت ناس كثيرة تسجل فيه وتتمرن”.

ويتحدث أحمد عن أحد المخرجين البريطانيين الذي عمل عنه فلم قصير، وكيف التقاه بالصدفة عند أصدقاء يمنيين، يقول أحمد: “أخبرته عن قصتي وكيف عندما جئت كوريا في العام 2013 وأنا ابن دولة، وكان الكوريين محتفيين بنا واستقبلونا بشكل رسمي واهتموا بنا، وفي كل مكان ينحنوا لنا ويأخذوا العلم اليمني، بعكس لما أجينا لاجئين استقبلونا بعنصرية وأقاموا مظاهرات ضدنا، وحرضوا علينا”.

التحول من لاجئ إلى بطل كوريا الجنوبية

في شهر يوليو 2018 حصل أحمد على عرض للمشاركة في نزال احتراف كامل، لكن إدارة مكتب الهجرة منعته من خوض هذا النزال لأنه لاجئ لا يحق له أن يلعب ويكسب المال من اللعب، فهذا مخالف للقانون الكوري.

وفي شهر نوفمبر 2018 كانت بطولة السوبر الكوري، وكان يعتبر تجمعاً أولمبياً لأكثر من بطولة، تايكوندو وجودو وملاكمة ومصارعة وكيك بوكسينج، وأعلن عن اسم أحمد ضمن المشاركين فيها.

يقول أحمد: “أنا قلت هنا رسالتي التي يجب أن أوجهها للكورين إنه أنا عسكر اليمني اللاجئ الذي كانوا يشاهدونا كائنات غريبة. المدرب أخبرني أن خصمي قوي جداً، وعرض عليّ فيديوهات له، فطمنته أني سأهزمه، خصمي كان بطل السوبر الكوري لأربع مرات”.

ويضيف: “قبل النزال بأسبوع طلعت لي حبة في أصبعي الوسطى ليدي اليمنى، وعملت لها عملية، وأخبرت الطبيب أن لدي نزال، فقال: سأعمل لك إبر تنشف الجرح، وجلس يضرب لي إبر لمدة ثلاثة أيام، ونشف الجرح تماماً”.

ويتابع: “قبل النزال اتصلوا من مكتب الهجرة يقولوا ممنوع ألعب، فقلت لهم سألعب بدون فلوس، وهذه مباراة نصف احتراف. حذروني إذا لعبت مقابل الفلوس سوف أتغرم لأني خالفت القانون”.

وبعد أن تواصل المدرب مع مكتب الهجرة سمحوا لأحمد أن يلعب، لكن بدون أن يكسب المال، وكان أحمد هو اللاعب الأجنبي الوحيد في البطولة، وتعاون معه الاتحاد الكوري.

وعن هذا النزال يتحدث أحمد: “عندما دخلت الصالة حسيت برهبة المكان، جمهور كبير، وكثير من وسائل الإعلام، كاميرات وصحفيين، وكنت كلما أتحرك جميع الكاميرات تتوجه نحوي”.

وقال: “خصمي عندما شاهدهم يصوروني حس بخوف مني، ولما طلعت الحلبة استغليت خوفه لصالحي، وهجمت عليه وهزمته في الدقيقة الأولى، وبالضربة القاضية. بدأ صديقي كيم وأصدقائي الكوريين في النادي يهتفوا باسمي (عسكر.. عسكر) والجمهور كله كان يهتف باسمي، وكان هناك بعض الشباب اليمنيين متواجدين فرحانين”.

ويتابع: “شعرت بالزهو، وتذكرت كل لحظات حياتي اللي مريت فيها، وكيف تعبت وتعذبت، تذكرت كلمة أبي وهو يودعني ويقول لي: هذا قد تكون آخر وداع بيني وبينك، لكن أنت با توصل وتحقق كل حاجة حلمت فيها، تذكرت أختي اللي دفعت لي المهر حقها، وأمي التي أخذت ذهبها”.

هنا يتوقف البطل عن الحديث لصحيفة “الشارع” ويبكي، ويطلب مناديل ورقية، كي يمسح دموعه. بعد برهة يعود للحديث: “كثير من الجمهور نزلوا يتصوروا معي، كوريين ويمنيين”.

يتابع: “قمت أبكي وأنا أشاهد هذا الاحتفاء والناس تتصور معي، ووقتها شعرت أني أنجزت شيء وغيرت النظرة السلبية عن اليمنيين، واستلمت الكأس فوق المنصة، وأصبحت بطل السوبر الكوري. أهديت الكأس لمدربي في النادي عرفاناً مني بالجميل كونه وقف معي، وكان يقول لي هذا حقك، لكني أخبرته أنه هدية مني له”.

وقال أحمد: “خرجنا من البطولة إلى أحد المطاعم الكورية نحتفل مع النادي وممثلين عن الاتحاد الكوري واتحاد جزيرة جيجو، وقطعت الكيكة، وتعشينا، وكلهم كانوا يهنوني”.

يذكر أحمد قصته مع المخرج البريطاني ويقول: “وقت النزال كان المخرج البريطاني نيل يصور على أساس أنه يكمل الفيلم، وقال لي: مسرع هزمته؟! عادني أقول هذه الجولة بصور من هذه الزاوية، والجولة الثانية من تلك الزاوية، والجولة الثالثة بروح أصور من هناك”.

يقول أحمد: “بعدها الاتحاد الكوري وفر لي وظيفة كمدرب في مدينة سون تشون، وقبل أن أسافر ذهبت إلى النادي وكان هناك ممثلين من الاتحاد في جيجو عملوا لي حفلة وداع، واعتذروا لي عن كل شيء، وعن العنصرية التي واجهتها، وقالوا لي: أنت مثال جيد وسنفتقدك”.

سافر البطل أحمد عسكر صوب مدينة سون تشون، لكن الحياة لم تكن أمامه مفروشة بالورود، فقد واجه المتاعب بعد وصوله إلى النادي بأيام، حيث بدأ مالك النادي يعامله بطريقة مختلفة وعنصرية، بعد أن كان قد استقبله بالأحضان، وهذا بسبب أنه كان يرفض أن يأكل الخنزير وتعاطي الكحول.

وعن هذا، قال أحمد: “كان مالك النادي يعزمني ويقول لي: عندما يعزمك المدرب أو أي أحد في حفلة لازم تأكل مع الناس. كانوا يأكلوا خنزير ويشربوا، ويشتوني آكل معاهم، وأنا أقول لهم: أنا أكثر أكلي نباتي ولا أحب اللحوم ولا الكحول”.

ويضيف: “بعدها، بدأ مالك النادي بالتعامل معي بطريقه مختلفة وبعنصرية، وما كان يتركني أركز في عملي، وكان يهينني أمام اللاعبين الذي أدربهم، ويقول لهم أنا معرفش أدرب.. وبدأ يضايقني، وخرجت بعدها من العمل، ولم يجيب لي حقوقي المالية كاملة”.

سافر أحمد بعدها إلى مدينة أنتشون، ونزل عند صديق له، ولم يستطيع المكوث فيها، فاضطر السفر صوب مدينة مكبو، واشتغل هناك في مصنع السفن ليكسب المال، وبعد شهرين تواصل معه مدربه من جزيرة جيجو ليخبره عن بطولة قادمة.

كانت البطولة الوطنية الكورية، وستقام في شهر يونيو 2019، وأخذ أحمد إجازة لمدة شهر من مديره في العمل، وذهب إلى العاصمة سول للتمرن والاستعداد للبطولة، وكان يسكن هناك عند صديق له اسمه أحمد الدرن.

وقال أحمد: “في النادي، الذي كنت أتدرب فيه بسول، كنت أشاهد صور لبطل مشهور في كوريا، هو بطل منظمة ال إف سي في كوريا وآسيا، وأنا كان نفسي أوصل لعنده، تفاجأت يوم يقولوا لي المستر حق النادي يشتينا نصورك وأنت تلعب، صوروني وأرسلوا له، وبعد يومين حضر المستر إلى النادي وكان هو نفسه البطل الذي في الصورة يناديني عسكر، وطلع أيضاً هو مالك النادي، وتعرفنا على بعض وأخبرته بما أحلم به”.

وأضاف: “بعدها سافرت جيجو وأقمت نزال هناك، وفزت وحصلت على لقب البطولة الوطنية الكورية، وكان النزال هذا أيضا بدون فلوس بسبب منع مكتب الهجرة، واستلمت كأس أكبر من الأول، وأهديته لمدربي الأول في جيجو. لن أنسى هذا الرجل أبداً لأنه وقف معي”.

وتابع: “في هذه البطولة شاهدت لاعبين كيك بوكسينج يلعبون على الحزام، وطلبت من المدرب أن أتصور مع الحزام فوافق، أخذت الحزام وتصورت معه، وقلت له هذا حزامي لأني شاهدته قبل ما أجي كوريا، ونفسي ألبسه. وقال لي المدرب: البسه. قلت له: لا، أريد ألبسه وهو حقي، أريد أن أتملكه”. سأل أحمد مدربه هل يستطيع أن يلعب على هذا الحزام فرد عليه بالقول: “صعب لأنه احتراف كامل ويلعبوا عليه بفلوس، لكن سأعمل جهدي وسيكون في وزن ستين، وسيكون خصمك قوي جداً جداً”.

عاد أحمد بعدها إلى “مكبو” للعمل، وبعد خمسة أيام اتصل به مدربه من جيجو، وطلب منه أن يستعد لمباراة بطولة كوريا للمحترفين على الحزام، التي ستقام في شهر سبتمبر.

يقول أحمد: “طلبت من المدير في العمل إجازة فرفض، وتدخل أحد المغاربة اسمه منير، قال لي: لا تقلق أنا سأكلم المدير الكبير، وطلب مني صوري عرضها عليه، وعندما عرف أن عنده بطل، تعاون معي ومنحني شهرين إجازة”.

وأضاف: “سافرت سول أتمرن، ورحت لعند المدرب الذي في النادي، وقلت له عندي بطولة كوريا للواكو، واهتم فيبي ودربني، وسافرت بعدها جيجو، وكانت البطولة في 29 سبتمبر 2019، وهذا هو حلمي. حزام بطولة كوريا الجنوبية للمحترفين (الواكو)”.

وتابع: “قبل النزال أقمنا مؤتمراً صحفياً، وشاهدت الحزام أمامي، وقلت هذا حقي وسأفوز به وسألبسه، طلعت الحلبة ونسيت أن آكل وجبتي، لعبت وتعبت وخصمي كان قوياً جداً، وكان هو بطل كوريا والحزام ملكه، وهو يدافع عنه، وأنا أتيت أقاتله من أجله، وأريد أن آخذه عليه”.

وزاد: “تخيل تلعب وحلمك بين يدك وكنت منهار، وحاولت المقاومة واليمنيين كانوا يهتفوا باسمي ويلوحوا بالعلم اليمني ويهتفوا بالروح بالدم نفديك يا يمن، وحيو اليماني حيو، وأنا منهار. كنت بس أتحين الفرص وأضربه وأحاول أمسكه واستجمع قوتي”.

وعن كيف أنهى النزل، وفاز، قال أحمد: “آخر شيء سمعت اليمنيين يقولوا: آوووه راحت عليه… قلت: ما بتروحش، وضربت ضربة أخيرة في وجه خصمي والحكم أنهى النزال بعدها، رحت لعند أصحابي أسألهم من الذي فاز؟ قالوا: أنت. قلت لهم: كذابين! ماكنت مصدق، لأني عانيت كثيراً”.

وأضاف: “بعدها الحكم رفع يدي، ووقتها أنا ما صدقت وبكيت من الفرحة، وسجدت سجدة شكر، وجلست أبكي، ولبسوني الحزام، وجلست أشاهد الجمهور يهتفوا باسمي وأبكي، وأشوف الحزام فوقي وأبكي، كان يوم عصيب”.

 وأضاف: “مدربي حضني، ورئيس الاتحاد الكوري حضني، وقال لي: مبروك، أنت الآن بطل كوريا الجنوبية. استحضرت صور كثيرة، حلمي الآن بين يدي، وقلت في نفسي: لو أني أحصل على المبلغ حق البطولة هذه برسله لأختي عشان تتزوج”.

الدموع تخنق البطل أحمد ولا يستطيع مواصلة الحديث، يحاول يواصل الحديث والدموع تخنقه: “ما زلت مصمماً أن أحصل على الفلوس وبرسل لأختي أعوضها عن مهرها وأرسل لأمي.. أختي تزوجت قبل سنة، ولم أعد لها مهرها”. ويعود للبكاء من جديد، ويمازحني: “أنت قلبت المواجع اليوم”، ويضحك معي وهو يبكي.

يستكمل الحديث: “بعد تلك المبارأة، أخذوني بسيارة إسعاف إلى المستشفى لأني انهرت، وما عد قدرت أوقف على قدمي.. وفي المستشفى فتحت عيوني أشوف الاتحاد الكوري كله عندي، رئيس الاتحاد والأمين العام والأعضاء يتطمنوا عليَّ. أخبرتهم أني بخير، وقلت لهم: يلا نروح نحتفل. قالوا: لا أنت ارتاح ولا تشيل أي هم”.

وأضاف: “كنت ميت جوع وقلت لشباب يمنيين كانوا جنبي ودوني مطعم وردة آكل، وتذكرت أني نسيت الحزام في الصالة وعدت له، ووجدت الناس هناك في وقت تكريم بقية الأبطال، وكلهم أجوا يتصوروا معي، ورحنا بعدها نأكل وعدت للبيت وطرحت الحزام أمامي، وجلست أتذكر كيف كنت أحلم فيه”.

وتابع: “في الليل تعبت وراسلت المدرب أخبره، ترك الاحتفال وجاء أخذني إلى المستشفى ورقدوني في المستشفى إلي اليوم الثاني، وجابوا لي مغذيات وسوائل لأني أصبت بهبوط، كان عندي سوء تغذية”.

في اليوم الثاني خرج البطل من المستشفى، وذهب إلى البيت، وأخذ الكأس، وأهداه للمدرب الذي أبدى استغرابه من تصرف أحمد، كون هذا الكأس الثالث وهو يهديه إياه. يقول أحمد: “قلت له ما زلت ممتناً لك، لكن هذا الحزام حقي بحتفظ فيه. فقال لي: هذا حقك بس عادك ما امتلكته لحد الآن معك نزال ثاني للدفاع عنه وسيصبح ملكك بعدها. قلت له: أكيد معروف هذا الأمر”.

سافر بطل كوريا الجنوبية إلى العاصمة سول، وكان يريد العودة إلى مكبو لمواصلة العمل فأخبره مدربه الثاني في سول أنه يوجد نزال، فوافق وأعطاه رقم مديره المباشر في العمل لطلب إجازة، لكن هذا الأخير رفض، وقال له هذا مفصول من العمل.

مكث أحمد في سول واعتذر عن النزال بسبب أنه كان لديه إصابة، وأيضاً التهبت أذنه والتهبت عنده الأذن الوسطى، وبعد أن شفي استمر في التدريب والتمرين.   أحمد في عيون أبطال كوريا

يتمتع أحمد بشهرة كبيرة لدى أبطال ورياضيي كوريا الجنوبية، ويرونه بطلاً حقيقياً له مستقبل كبير في اللعبة، فهم يهتمون به دائماً، ويكتبون عنه كبطل عبر حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

كانت صحيفة “الشارع” تريد أن تلتقي بالكثير منهم، لكن بسبب اللغة لم نستطع التواصل معم، فاكتفينا بمقابلة مدربه الجديد البطل الكوري السابق جاي جيل نوح، ورئيس الاتحاد الكوري للكيك بوكسينج، رئيس لجنة التحكيم في الاتحاد الآسيوي، الدكتور آتشون جونغ.

التقينا الدكتور آتشون جونغ في أحد الكافيهات بمنطقة سوهيون، جنوب العاصمة الكورية سول، ووجدناه شخصاً طيباً وبشوشاً، وكان يمزح معنا ويتعامل مع أحمد بكل احترام وود، وبعدها قام بعزومتنا على الغداء في مطعم صيني يقع بجوار منزل مالك شركة سامسونج، وقال لنا: أنتم في بلادي وحسب الثقافة الكورية وجب عليّ ضيافتكم.

الدكتور آتشون جونغ يعتبر أسطورة للعبة في كوريا الجنوبية، فقد سيطر على بطولة الكيك بوكسينج على مستوى العالم لمدة 6 سنوات متتالية، وعلى بطولة “المواي تاي” داخل كوريا لمدة 7 سنوات متتالية، وكثيرة هي الميداليات والكؤوس والأ