ما أشبه الليلة بالبارحة ؟!

الجمعة 05 يوليو 2019 9:33 ص
حد منكم قرأ ما كتبه الصحافي البديع والشاعر الفذ الراحل فضل النقيب ؟ هي ذكريات جمعها ونشرتها له وزارة الثقافة عام ٢٠٠٦م في كتيب وسمه مؤلفه ب " دفاتر الأيام "  .
الرجل تحدث عن أربعة أعوام فقط قضاها في عدن ، بعد تخرجه من جامعة القاهرة ، وحصوله على درجة البكالوريوس في الإعلام ، وكان ترتيبه الأول على دفعته عام ١٩٦٩م  .. 
طبعاً عودته لمدينة عدن كانت في هزيع ذات العام ، وحينما أدرك أن المكان بات ضائقا به وبالكثير من المثقفين والمهنيين والسياسيين ، قرر مغادرة الجنوب الى الشمال ، في ديسمبر ١٩٧٣م ضمن وفد ثقافي ثلاثي رأسه الشاعر الكبير الراحل محمد سعيد جرادة .
 
فلم يُعُد النقيب إلى عدن ، إذ بقي في صنعاء بمعية زميله الشاعر محمود الحاج ، فيما عاد الجرادة وحيدا وعند سؤاله عن رفيقي رحلته  أجاب : التقدميون تقدموا ، والرجعيون رجعوا .
لم تطب صنعاء لابن النقيب ، إذ سرعان ما حزم أمتعته ، وبعيد أربعة أشهر ، وكانت وجهته " أبو ظبي " التي وصلها في ابريل ١٩٧٤م واشتغل في جريدة " الاتحاد " ولفترة ١٥ عاما ، والى أن تقاعد .
وبعيد التوحد عام ١٩٩٠م عمل ملحقا ثقافيا للجمهورية اليمنية ، ووافاه الأجل في ٢ يناير ٢٠١٢م في العاصمة الألمانية برلين ..
ما دوَّنه ، الاديب والصحافي ، من ذكريات مريرة .. مؤلمة .. هازئة .. مبكية .. ناقدة .. حالمة .. ساخطة ؛ بكل تأكيد أعدها مهمة للأجيال الحاضرة التي لم تعش أو تكون لديها أدنى معرفة بتواريخ واحداث واسماء أسهمت جميعها في صناعة حالة بائسة لا مثيل لها في التاريخ السياسي الحديث .
قراءة ما كتبه النقيب من ذكريات عاشها خلال حقبة مؤثرة في تاريخنا الحديث ؛ زادتني يقينا بأن جنوب السبعينات لا يختلف كثيرا عن جنوب الحاضر ، الهادر الآن وبعنفوان صبياني غاب فيه العقل والرشد  ؟ .
فما أشبه العهدين القديم والجديد ؟ وما أشبه الأيام السبعة المجيدة وقادتها وثوارها بقادة وجموع لم تكل أو تفتر أو تمل من تكرار ذات الاسطوانة السؤومة ومن استجرار تلك الأفعال الصاخبة المقوضة لكل فكرة إيجابية من شأنها إعادة الاعتبار لناس ووطن اضناهما التعب والبؤس والقلق والعنف والحرمان للأشياء الضرورية .
وما أشبه عهد الرئيس " سالمين "ورفاقه بحقبة الرؤساء والقادة الحاليين ، فكلاهما وعلى اختلاف المكان والزمان والوظيفة نسخة سريالية واحدة ومكررة من الخطاب الثوري الشعبوي الراديكالي الطوطمي الذي لا يشبع أو يغني من جوع .
كما ولا أجد في القادة البارزين الان ممن افرزتهم أسوأ مرحلة سياسية عاشها اليمن واليمنيين غير صورة مماثلة من اولئك الذين صنعتهم حقبة الحرب القطبية ، ففي المحصلة يحسب لهم اضاعة الجنوب شعبا ودولة ونظام وتنمية واستقرار في مزايدات وصراعات كانت من تجلياتها هذه الحالة البائسة الفريدة ..
فلكم بُلي جنوب الامس بالمزايدين الحاملين لشعارات ومبادئ اممية وثورية هي اكبر بكثير من حجمهم وتفكيرهم ؟ ولكم بلي جنوب اليوم  - أيضاً - بثوار وقادة افرزتهم المرحلة العبثية الفاسدة ، كما وارتقوا سُلَّمها بالسلاح والدم والمال والشعارات الديموغاحية ..
واضيف : كأنَّ النقيب يكتب عن مأساتنا الحاضرة ، وعن شعارات وأوهام الأيام المجيدة التي للأسف ما زلنا نلهج بها وبحماسة فائضة لا تقل درجة عن تظاهرات " تخفيض الراتب واجب " و " يا سالمين سير سير .. واصل حركة التطهير " و " يا سالمين لا تنسي .. باقي الدكاكين والتاكسي " .
أستذكر هنا ما خطه النقيب ليس بقصد التشفي أو الثأر والانتقام من احد ، وانما غايتي هي الاستفادة من تجارب وعبر التاريخ ، فالجنوب يا قوم لم يكن جنة الفردوس ، بقدر ما كان جحيما لحرق الامال والأحلام والتعايش والمدنية ..
ومن لا يعتبر من أخطائه وتجاربه سيظل يكررها بغباء وسذاجة ، وقد قالت العرب قديما : استشارة القلب شهرا واستشارة العقل دهرا " واذا ما بقيت العاطفة جياشة حاضرة بكل التصرفات فلا تلومون الخلق أو الزمن وانما لوموا أنفسهم ..
محمد علي محسن