طفل الخور الباكي.. القصة واقعية حدثت معي

Wednesday 23 September 2020 7:12 pm
ذات ليلة .. وبينما أنا أمشي بين إحدى جنبات " الخور " عائداً إلى المنزل بعد أن جلست رفقة صديقي.
إذ بي ألمح طفلاً يبكي، أقتربت منه أكثر فوجدته يذرف الدموع بحرقه حتى أحمرت عينيه، ووصلت دمعاته أسفل وجهه! 
أوجعتني هيئته هذه كثيراً، وجعلتني أشفق عليه حتى قبل أن أعرف ما خطبه ، فوجهه يحكي ألماً كبيراً ، ووجعاً لا يحتمل، كان كل همي أن أعرف ما به علني أجد حلاً يوقف نزيف عينيه .
وعرفت من وجهه إنه من " نازحي حرض " ، فسألته لماذا تبكي؟ ما بك لا عليك اخبرني ، إجابني سريعاً بصوتٍ باكي : « أضعت الألف ريال الذي أعطني إياه أحد المارين ، وأبي شاهده وهو يعطيني ، وريثما ما أعود إلى البيت سيقول لي أعطني الألف وكل ما جمعت الليلة، فأبي قاسي، وشرس، لن يرحمني ، ولن يعذرني ، ولن يسامحني، سيظل يضربني حتى يصب عليّ جام غضبه، وأنا أبحث عن الألف منذ نصف ساعة ، ولم أجده لذلك أنا خائف جداً من عودتي إلى البيت ».
فقلت له : « هون على نفسك ، وامسح دمع عينك ، أنت رجل لا تبكِ سنجد حلاً إن شاء الله »، وسألته هل بحثت عنه جيدا ً؟ وهل أباك قريب من هنا لأذهب فأكلمه ؟ أجابني نعم ، بحثت عنه جيداً ولم أجده ، وأبي بعيد من هنا.. لحظتها كم تمنيت أن يكون هذا الألف متوفراً لدي حالياً! فحينها لم أكن أمتلك في جيبي إلا ربع هذا المبلغ! وماذا عساني أن أفعل له؟ فمنظره يكسر حتى تلك القلوب القاسية، الفظه، والغليظة .
فأخذت أبحث معه عن الألف علني أعثر عليه، فأنقذ الطفل من هذا الموقف الصعب، وارحمه من قساوة ذلك الأب الجشع ! ومشيت أبحث والطفل ينظر إليّ وعيناه تخبرن : « ليته يجده ، ليته ينقذني من ورطتي »، وبعد دقائق من البحث وعندما لم أعثر عليه أدركت أنه لا جدوى من ذلك ، سألت الطفل هل لك من أقارب يعرفون أباك ليكلمه أحدهم فيغفر لك ، إجابني نعم لكن ليسوا بالقرب من هنا ، سألته أين هم إجابني في فوة ، قلت في نفسي : تباً ! ثم نظرت إلى الساعة فوجدتها متأخرة، وأصبح لابد من عودة هذا الطفل إلى منزله ، وفكرت هل أذهب معه إلى والده لأستعطفه كي يصفح عنه ، ولكن خطر في ذهني ربما هذا قد يزيد الأمر سوءاً بالنسبة للطفل ، ويغضب عليه الأب أكثر ، فما كان مني إلا إن لا أتركه يظل في الشارع ، فإن خطورة الجلوس في الشارع في هذا الوقت المتأخر ، وفي عمره الصغير أشد خطورةً من عقوبة الأب ، وإن كان الخطر في الاثنان! 
فصرت أقنعه بالعودة إلى المنزل، وقلبي يتألم لفعلي هذا، ولكن لم يكن لدي من حلاً سواه ، فربما قد يحكي هذا الطفل قصته لأحد أولئك ذوي القلوب القذرة ، والأنفس المريضة فيقوم هذا النجس بعرض إعطاءه الألف مقابل مبتغاه القذر، وواصلت إقناعه حتى وصلت كلماتي إلى عقله فوافق على الرجوع إلى بيته ، ثم دعوت له بأن يقيه الله شر ذلك الأب الجشع ، ومضينا ليعود كلاً منا إلى بيته.
عدت إلى البيت وأنا أفكر في الطفل هل عاد إلى البيت؟ وماذا صنع معه أباه ؟ وكيف تعامل معه عندما أخبره؟ وأتخيل الأب وهو يضربه ويعنفه ليلتها عكر مزاجي، وشتت فكري، فأنتظرت اليوم التالي لأعاود نفس المكان الذي وجدته فيه ليلة البارحة، حتى أطمئن عليه هل هو بخير ؟ ماذا صنع معه أبوه ؟ وهل عاد إلى البيت من الأساس! 
لكنني لم أجده سرت بالقرب من المكان علني ألمحه، وعله يناديني، لكنني لم أجده، ولم يجدنَ.
فأصبحت أسأل نفسي الأسئلة المتراكمة في قلبي  وعقلي مذ رأيته يتقطع بكاءً ، ما هو دورنا مع الأطفال النازحيين؟ وهل نتركهم للتسول هكذا ؟ أين حقوقهم في التعليم مثل أقرانهم؟ وأين الدور الحقيقي للسلطات والمنظمات في حمايتهم وتعليمهم؟ هؤلاء الصغار ما هم إلا ضحايا من دفع بهم للتسول، ولا ليس لهم من ذنب سوى ما حدث للبلاد! 
ثم سألت نفسي ذلك الأب الغليظ ألم يصل إليه ، وإن وصل إليه ألم يتأمل قول محمد عليه أفضل الصلاة والسلام : « لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه »، ألم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم على ثلاث أحدهن : « لا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر »
 بدلاً له من أن يتاجر هذا الجشع البخيل بأبنائه ، المساكين الصغار! 
 فمال التسول مهما كثر فهو لا يأتي إلا بالفقر بتأكيد الصادق المصدوق صلوات ربي وسلمه عليه، وأصبحت أتساءل ما هي حكاية الأطفال المتسولين ؟ والمتسولين بشكلٍ عام فقد كثر الحديث عنهم، من وراءهم أم أنهم أتوا بطريقة عفوية ، من أجل المال فقط؟ أو سدا ًللحاجة لا أكثر، لكن كم يجنون حتى يسكنوا الفنادق! هل هم ضحايا النزاعات ، وضحايا الفقر وفقد الأوطان؟ أم إنه ثمة من يحركهم؟ ورائهم ما ورائهم أو إنها طريقة سريعة لكسب المال، أم هم عزز قوماً ذلوا!
ناصر بامندود