وداعًا محمد علي كلاي

الاثنين 30 نوفمبر -1 12:00 ص
مات محمد علي كلاي العظيم؛ لم يكن عظيمًا لأنه أيقونة الملاكمة العالمية؛ وصاحب أقوى ضربة في التاريخ كادت تعدل الألف باوند، ولا لأن الملاكمة الرياضة التي قد تغير حياة الناس أو تضيف لانجازات البشر، ولا لأن البطولات وحدها يمكنها أن تصنع الأمجاد .. فكم من الأبطال الرياضيين لايعرف عنهم التاريخ أبعد من بريق ميدالياتهم..
لماذا مجد "محمد علي كلاي" إذن ؟!
 
قال ذات مرة: " كنتُ عظيمًا في الملاكمة، لكنهم اضطروا لخلق صورة للملاكم العظيم كـ "روكي"، إذ لابد أن يكون لأمريكا صورتها البيضاء دائمًا؛ بغض النظر من أين تحصل عليها، يسوع، طرزان، و"روكي" !
 
وروكي هي شخصية لفيلم شهير حاصل على الأوسكار؛ قام بدوره سيلفستر ستالون ويحكي عن حياة ملاكم بدأ مغمورًا وأصبح شهيرًا ..وهو ماعدّه محمد علي تجروءًا على البطولة التي حصل عليها رجل أسود بإعطائها - ولو رمزيًا - لرجل أبيض.
 
وهكذا بنفس نبرة التهكّم والفلسفة العميقة حمل محمد علي كلاي بطولاته في الملاكمة وحلق بها بعيدًا في عوالم أخرى، كان يسدّد ضرباته في حلبات المصارعة وفي حلبات الدفاع عن حقوق المستضعفين دينيًا وعرقيًا. كتب كتابه "روح الفراشة " وكان يعرّف نفسه دائمًا " أطير كالفراشة وألسع كالنحلة "..
دافعت الفراشة السوداء عن عرقها في كل محفل وبعد أن اعتنق كلاي الإسلام وغيّر اسمه احتفظ بلقب "كلاي" وهو الاسم الذي أطلق عليه في زمن العبودية ويعني الطين، ربما أراد أن يقول بأنه يفخر بطينته التي جعلت منه الأسطورة! ..أما عن اسمه الأول؛ قال أعطاني البيض أيام العبودية اسمًا أبيض "كاسيوس مارسيلوس" فلما أن صرت حرًا أرجعت لهم اسمهم واخترت لي اسمًا افريقيًا لطيفًا!
اعتبر محمد اسم النبي اسمًا أفريقيًا إذ كان يؤمن بأن نبي الإسلام أبُ كل الأعراق، رفض محمد علي أن يوضع اسمه في ممشى المشاهير الشهير في هوليوود وطلب أن يوضع في الجدار احترمًا لاسم نبي الإسلام، فكان هو الاسم الوحيد المعلق على جدار.
 
دافع محمد علي عن حقوق السود بمعية صديقه الذي كان سببًا في دخوله الإسلام مالكوم إكس، سئل عن الملاكمة، فقال : هي أن يجتمع البيض لمشاهدة أسودين يتلاكمان ويحصل أحدهما على لقب البطل" وفتح بهذه الجملة شهية الكثير من الفتيان البيض لخوض غمار المنافسة على الرياضة التي ظلت حكرًا على السود لعقود وسار بها في طريق "المساواة" ولو في نصيب الأعراق من "اللكم "!
آمن محمد علي بالمساواة بحذافيرها، كتب في كتابه : " أنا ملاكم وأؤمن بمبدأ العين بالعين، لا احترم الإنسان الذي لا يأخذ حقه، إن قتلت كلبي فمن الأفضل أن تخفي عني قطتك !"
 
دافع محمد علي كلاي عن الإسلام وعن ذاته كمسلم وكان داعية من طراز عالمي، عرَف الإسلام بطريقته وعرّفه على طريقته قال : "الإسلام يعني السلام، والمسلمون هم المستسلمون لله وحده، لكن الإعلام يجعلنا نبدو كريهين" وبدل أن تنخفض شعبيته كما كان متوقع ارتفعت بشكل خرافي، كان محمد علي كلاي المسلم الذي لا يخافه العالم؛ بل يقبلونه بحب أينما ذهب، ويستمعون له بتوقير، قال في مقابلة : "أحاطني الناس بالحب في كل مكان أذهب إليه، ماكدتُ ذات مرة أنزل إلى مطار روما حتى تدافع الناس حولي وبدأوا بتقبيلي "حتى الرجال منهم".. آخ كم أحب روما".
 
عارض حرب أمريكا في فيتنام ورفض الانخراط في الجيش الأمريكي آنذاك، وكان هذا سببًا في سجنه وسحب كل البطولات والألقاب منه، قال " لست بحاجة لأن أحارب الشيوعيين في فيتنام فليسوا هم من أسمونا زنوجًا "، وقال إن الحرب يجب أن تكون حرب العالم على الفقر لا من أجل صناعة خارطة جديدة للعالم.. انسحبت أمريكا من فيتنام وانتصر كلاي لرفضه وعادت إليه كل ألقابه.
 
مات محمد علي كلاي الذي صادف أن كان ملاكمًا عالميًا، لكنه كان أبعد من ذلك بكثير، كان مفكّرًا وصاحب إرادة، والعرق الذي يسيل من جبين مفكّر وصاحب مبدأ هو العرق الذي يصنع المجد بغض النظر إن كانت له قبضة حديدية تساعده على تحقيق أفكاره بنفسه أم كانت له سطوة التأثير على قبضات أخرى بإمكانها أن تصنع التغيير.
 
" البطولات لا تصنع في النوادي الرياضية، البطولات تصنع من أشياء أعمق: الرغبة والحلم والرؤية ومن ثم المهارة، الإرادة يجب أن تكون أقوى من المهارة!"
The will must be stronger than the skill