المرأة الحديدية الحريرية!

الأحد 20 أكتوبر 2019 4:14 م
كنتُ أُحبُّ أن أصفَها بالمرأة الحديدية الحريرية ، فهي تجمع بين جسارة العمل والنشاط والموقف، و رقَّة الأنوثة ونعومتها روحاً ومظهراً. وكنتُ أحياناً أصفها بآنسة الصحافة اليمنية والخليجية، فهي أول خريجة جامعية في مجال الصحافة والاعلام بين كل الفتيات الخريجات في عموم اليمن والجزيرة والخليج.
هي صديقتي وزميلتي ورفيقتي رضية شمشير واجِد، بنت مدينة عدن القديمة ( كريتر ) التي أخذت من جبلها بركانه، ومن بحرها هيجانه، ومن سوقها بخوره وريحانه، ومن تاريخها هلاله وصُلبانه، فهي بحق ترجمة أصيلة لهوية عدن، منذ أن كانت هذه المدينة وكان أهلها.. المدينة القديمة والأهل الأوائل.
عرفتُ رضية شمشير كادراً لا يُدانى في مضمار العشق المهني الذي يفنى صاحبه في معشوقه ويتَّقد على جمرة الاخلاص من دون أن ينتظر أدنى مقابل. وفي الصحف والمجلات التي عملت فيها رضية لم تكن مجرد رقم مُضاف الى قوام أسرة التحرير، بقدر ما كانت ترساً رئيساً في مُحرِّكها، إنْ لم تكن قلب المحرك نفسه في بعض الأحيان.
كثيرون يعرفون رضية الصورة، لا رضية السيرة، ومن عرفها عن كثب سيعرف صفات حميدة للغاية اتَّصفت بها المرأة الحديدية
ولا يزال كثيرون من زملائها القدامى في صحيفة ” الثوري ” يتذكَّرون كيف كانت تطوي ثنايا الليل معهم لاصدار هذا العدد المتميز أو ذاك الاصدار الاستثنائي المرتبط بحدث وطني كبير، بل كيف كانت تتهاوى خائرة القوى في بعض الليالي من شدة الارهاق!.
وبعد هذه العقود من الاخلاص لهذه المهنة والتفاني في مزاولتها على قواعد الدقة والموضوعية والابداع والأخلاق – التي باتت من القيم النادرة اليوم – لم تنل رضية غير الزَبَد، أكان على الصعيد الصحي أو المعيشي أو الوظيفي.
أما في نطاق النشاط العام ( السياسي والاجتماعي والثقافي ) فقد ظلت بنت شمشير تتحلى بصفة المناضلة بكل ما تحمله هذه الصفة من المعاني والدلالات، منذ إن كانت تلميذة في أجمل فترة من عمر الورود، تشقّ صفوف التظاهرات الطلابية – كواحدة من سنابل جبهة التحرير – دعماً لثورة بلدها وشعبها ضد المحتل الأجنبي، فقد تشرَّبت شهد النضال واكتوت بناره في الوقت نفسه، عندما كان للنضال معنى حقيقي ودلالة ساطعة، وحين كان النضال يعني للمناضل أن يعطي ولا يفكر البتة بأن يأخذ، وأن يضحي بل ويتفانى في التضحية من دون أن ينتظر جزاءً ولا شكورا.
⇐                   اقرأ أيضًا في أنسم  |                                     نسويات.. خارج الزمن
كانت رضية من هذا الصنف من المناضلين، أكان هذا النضال في صفوف التنظيم السياسي الذي انتسبت إليه في وقت مبكر من عمرها: حزب باذيب العظيم، ثم الحزب الاشتراكي الذي غدر بها ذات نهار رمادي وموقف سوادي.. أو في حقل الكيانات النقابية والجماهيرية ومؤسسات المجتمع المدني التي كانت رضية من أبرز مؤسسيها وأكفأ ناشطيها وأشرف قيادييها، وعلى وجه الخصوص: نقابة الصحافيين واتحاد النساء.
والمؤسف له، أن هذه الشمشيرية لم تنل يوماً حقها من التكريم ولا حظها من التوقير وهي المرأة الرائدة في غير مجال وميدان، أكان على صعيد وطنها أو حتى مدينتها.. ويحدث هذا – ويا للأسف – في زمنٍ وفي يمنٍ وفي عدنٍ صارت فيه بعض بل معظم الناشطات النسويات أكثر حماسة لإعادة نساء عدن واليمن إلى عصر الحريم، وجعل الحرملك وجهة متقدمة في المشهد النسوي السائد، فعلاً لا قولاً!.
في وقت مبكر انتسبت شمشير إلى صفوف التنظيم السياسي وحقل الكيانات النقابية والجماهيرية ومؤسسات المجتمع المدني
إن كثيرين يعرفون رضية الصورة، لا رضية السيرة، ومن عرفها عن كثب سيعرف عنها صفات حميدة للغاية اتَّصفت بها هذه المرأة الحديدية الحريرية التي حرمت نفسها من الارتباط برجل في مؤسسة الزواج، لأن لا رجل يستطيع احتمال هذه الكتلة الجبارة من العمل وهذه الديمومة المدرارة من النشاط التي تستمر على مدار الساعة، برغم أنها نجحت نجاحاً باهراً في تكوين أُسرة نموذجية بمعنى الكلمة وكانت جناحاً ناعماً ودافئاً وقوياً لأشقائها وشقيقاتها، عدا مواقفها المشهودة في مدِّ أيدي العون والرعاية لعديد من الأجيال الناشئة من الجنسين على مبدأ: اعملْ الخير، وارمهِ للبحر. ولعَمْري أن بحر صيرة يزخر بكثير من الأسماك الانسانية والخيرية التي تحمل اسم رضية، وهو نوع من الأسماك صار نادراً في بحار اليمن التي غزتْها حيتان القرش !
عن أيّة رضية أتحدث؟. عن كلّ رضية أتحدث. فاسمحوا لي أن أصمت قليلاً، فقد عاشت رضية مؤخراً في كهف الصمت وأصبحت تأنس إليه، في ظل تجاهُل الأنذال لأمثال هذه الآنسة المِثال.
عفواً صديقتي، فلا أملك غير هذا القليل من الحبر المنقوع بعصارة الحب أسفحه في حضرتك، فانهضي إلينا – محبّيك – يا بنت شمشير، فيكفيني أنني خسرت مؤخراً حامد جامع، رفيقك وصديقي الكريتري الأنبل. فلا أريد أن أخسرك اليوم يا صديقتي الكريترية الأجمل.
المصدر | يمن مونيتور